استيقظتُ مبكرًا، متهندمًا روبَ الاستحمام، صانعًا من نفسي باشا من باشوات القاهرة. وقد تورّم معصمي من ثقل كأس القهوة التي أحملها، ويصدح بجواري [مطلق الذيابي] بصوته الجهوري في أغنيته «نحلم». وأمامي البحر النقي ذو الزرقة العجيبة، يحوطني نسيمه الرقيق بنفحاته، فاكتمل الجمال جمالًا حين طلّت من الشرفة المجاورة فتاةٌ جميلة، وأحسبها حوريةَ البحر التي يقولون بها.
فمكثنا صامتين، نستمع إلى أغنية الذيابي ونبصر البحر العظيم، ونرى الناس في سفح السكن غادين ورائحين. فالتفتت إليّ حين بدت مقطوعة من الأغنية يقول فيها شاعرها أولًا - وهو غازي القصيبي - والذيابي ثانيًا:
«تعالي دقائق نهرب فيها
على زورقٍ مبحرٍ في صور
وحيدين في رحلةٍ لا تحبّ
الدموع ولا تنتشي بالكدر
وحيدين نسمع رجع الضجيج
فنضحك من فلسفات البشر
من الصابرين.. من الساخطين
من المؤمنين بألّا مفر
تعالي دقائق نعرف فيها
لماذا يحبّ الغريب السفر؟»
فبادلتها نظراتها، فأصابها الحياء، وشرعتْ تنظر إلى البحر أمامها مبتسمةً. ثم عادت فصوّبت نظرها إليّ، فلم آبَه لذلك، خوفًا وحياءً في آنٍ واحد. فرشقتها بنظرة سريعة، فإذا بها لا تزال تبتسم، ثم عاودت النظر بجرأة عالية، وبابتسامة أعرض من أختها الآنفة.
فلا أحكي لك، يا صاحبي، مدى تأثير تلك الابتسامة؛ كأن ثغرها بابٌ من أبواب الجنة. ثم طرق طارقٌ في نفسي يقول: يا لك من جبان! هذه فرصة تطرق بابك، وتأبى إلا أن يطغى عليك جبنك! حدّثها، وعش معها قصةً تجلو بها كدر حياتك البائسة، وتدحر بها ملل سيرتك الدائبة. سلّم، سلّم عليها وابتسم.
فاقتنعت بما قاله الطارق، فقمت أتنحنح، وأهرش شعري من فرط القلق، وأبلّل شفتيّ، وأمسح بكفّي وجهي. ثم التفتُّ بحزم، وابتسمتُ ابتسامةً عريضة، وأومأتُ بيدي مسلّمًا نحوها بهدوء، وكأنني بذلك الإيماء رئيسُ دولةٍ يحيّي شعبه العظيم.
فتكدّر وجهها وكلح، ثم جحظت عيناها استغرابًا، وقالت: «أمريضٌ أنت؟ أمريضٌ أنت؟» ثم ضحكت بقهقهة رجولية.
فعاد بي الخيال، وأدركت أنني جالس بين أصدقائي في عملي، وأن هذه الفتاة ليست إلا صديقًا ثرثارًا لا ينضب فكره، ولا تفتر عضلات لسانه وشفتيه من الحديث. وبجواره صديق آخر هو من كان يستمع إلى مطلق الذيابي، وأمامهم كلهم أنا، وقد سرحت إلى جزيرة لا أعلم مكانها على وجه التحديد.
وبعدما استخفّوا بعقلي، وقهقهوا ضاحكين جذلين مما فعلت من جنون، قال الثرثار: «نرجع إلى حديثنا». وقلت في نفسي: لا، أرجوك! عاودوا السخرية مني، إنني راضٍ تمام الرضا، ولكن لا تعاود مضغ الحديث مرة أخرى.
ومما أكاشفك به، أيها القارئ، أنه يثرثر عليّ منذ التاسعة صباحًا، ونحن - وقت إدراكي أنني في العمل - نحو الساعة الثانية والنصف ظهرًا. فأخذ يقلّبني يمينًا ويسارًا، ويُسيحني بزورقه العظيم في كل منطقة تقبل الحديث، إلى أن أتى المخلّص، وهو زميل لنا، قائلًا: «صلاة العصر يا شباب».
صوت الحق! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله! الحمد لله، الحمد لله! شكرًا يا الله!
فقمت هاربًا منه، فإذا به يسابقني ليكمل حديثه. ففكرت أن أتجاوز المصلى عمدًا، ذاهبًا إلى دورات المياه لأتوضأ ويبقى هو في المصلى، فلحقني وتوضأ معي، رافعًا قدميه على رقبة الصنبور، وهو لا ينقطع عن الحديث.
وكان معجمي اللفظي، من صباح اليوم إلى وقت وضوئنا، لا يتعدى هذه الألفاظ: «صحيح، طبعًا، عجيب، ممتاز، أكيد، أوف، بخٍ بخٍ». فتوجهنا إلى المصلّى، وهو مستمر في عرض رواياته. فنويت أن أصلي سنة العصر؛ لكي أهدأ قليلًا من هذا الدوي، فقال لي: «ليست للعصر سنة قبلها».
فابتسمت، وقام يكمل ما يكمله من حديث بصوت خافت، ظنًا منه أنه يحترم حرمة المسجد. ويا ليته احترم حرمة نفسي الشقية منذ الصباح الباكر! ثم خلّصنا المخلّص وأقام الصلاة، فصلّينا.
وما كنت أشك في أنه سيحادثني ونحن بين يدي الله - عز وجل -، ولكنه آثر الإسلام على ثرثرته. وقضينا من الصلاة، وسبقته بخطوة احترازية؛ إذ نويت أن أصلي سنةً بعد الصلاة. فنهرني ومنعني منها قائلًا: «لا سنة قبل صلاة العصر ولا بعدها!»
فأدركت أنه فقيهٌ وثرثار.
فيا صاحبي، أعلمُ أنك طيب ومحترم، ولكن اعلم - قلّل الله حديثك - أن الثرثرة مثلبة، وأنها طبع أخرق، تؤذي به الخلق، وتكرههم في مجالستك. فإني وجدت نفرًا من الزملاء ينفرون منك نفور الظباء من القسورة.
فاعلم، يا صاحبي، أن الإنسان يحفظ عقله بحفظ لسانه من تعريضه للكلم؛ فاللسان ترجمان العقل. إن زاد المرء في الحديث واسترسل، انفتحت أبواب عقله لدى الناس أجمع. فمن الناس من هو خبيث كل الخبث، يفتح أحد أبواب عقلك ويضرك منه، ومنهم الحسود اللدود، ومنهم من لا يقبلك ويريد أن يضرك بشتى الطرق؛ وعلى ذلك فقس شرور الناس وأذاهم.



وكأنك بكَلِمك هذا مثل مطلع قصائد فحول الجاهلية.. أكانوا يصفون حربً ضروسًا أو غيرها فلابد من مدح معشوقته في مطلعها.. مقال ممتاز..
استمتعت وأنا اقرأ