كان في هذا اليوم عاصفتان! عاصفةٌ طقسية، وعاصفةٌ أخرى كلامية، بين (ليلى) ووالدتها، وهي عاصفةٌ دائبة؛ فكل شهرٍ، مع ترتيب الأم لمقتنيات زوجها (المفقود)، تهب هذه الرياح العاتية، حاملةً الأسئلة والفضول والحنين والعاطفة والشجن والبكاء، وتبقى هذه التشاكيل الخاطرية تحوم بمكتبة الزوج والوالد وقت ترتيب الأم المقتنيات، ثم تملّ وتجول بأرجاء البيت كله، تبحث عن تفسير وطبطبة وطمأنينة ومنطق، ولا يتحقق من هذا الجمع المشاعري إلا شيءٌ واحد، وهو الصمت المدقع، بعد لفظ ليلى للسؤال الشهري: (أين أبي؟)
لم يكن السؤال يؤرق الأم عندما كانت ليلى طفلة، لأن الطفل كالصلصال يتشكل كما يشاء مربيه، ويقتنع بأبسط الإجابات. ولكن استعصت الإجابة، وانشلّ اللسان، وضمر الذهن، عندما سألتها لأول مرة عند بلوغها، إذ إن السؤال كان وقعه مختلفًا، برغم أنه لم يتغير إطلاقًا، وهذا لأنه جاء بأصحابه معه. ومن هم أصحابه؟ هم كُثر، منهم (الحِجاج)، ومنهم (المنطق)، ومنهم (الغصب)، ومنهم (العاطفة)، ومنهم (الاحتياج)، ومنهم (التطلّع)، ومنهم (الشوق)، وإلخ. فغلبوا الأم المسكينة على الجواب، فآثرت الصمت السرمدي. ولا تكتفي بالصمت فقط، بل تزيد الصمت هروبًا، إذ إنها تولّي مدبرة لكي لا ترى مبلغ التأثر من (ليلى)، ولكن كان هذا الهروب مختلفًا، يخالطه عجلةٌ وتسرع، ونتج عنهما أن الأم نسيت (مُفكّرة) صغيرة زرقاء اللون، والمهروب عنه ما زال يبكي ويتحسر على هروب الأم من الإجابة وهروبها الفيزيائي. فالتقطت عيناها، وهي تبكي وحيدةً في المكتبة، هذه (المُفكّرة)، فانطفأت مشاعرها، وجحظت عيناها سرورًا وفضولًا، لأن ليس من عادة والدتها ترك شيء من المقتنيات. فالتقطت المفكرة وولت هاربةً مدبرةً نحو حجرتها، وأقفلت الباب سريعًا، ونحت نحو الشرفة، وأغلقت بابها أيضًا، وجلست على المصطبة، وفتحت المُفكّرة، فإذا برسائل مكتوبة بخط اليد، وكل نص مقرون برقم فوقه، وبدا لها أن الأرقام دليلٌ على ترقيم الرسائل من أول ما بُعث إلى آخر رقمٍ لها، وهو آخر ما بُعث. فبدأت بقراءة الرسالة رقم (9)، والمكتوب فيها:
(9)
«إنني بخير.. وأرجو أن تكونوا بخير.. حافظي على أغلى كنزٍ لدينا، اشتقت إليكم، ولا أظن أن لي عودةً قريبة، ولكنكم قريبون مني في كل لحظة.. سأزودك برسائل كعادتي كل فترة».
لم تكن هذه الكلمات ذات تفسيرٍ يستدعي دموع (ليلى)، ولا يستدعي كل هذا الجهش، فكانت تجهش وشعرها واقفٌ يريد أن يطير ويتحرر من شدة العاصفة. والطرف الآخر من العاصفة الكلامية فطن، وانتبه، وأخذ يبحث، ثم فكّر ودبّر وراغ مسرعًا نحو حجرة (ليلى)، منتبهًا أن لا غيرها أخذ المفكرة. ففتحت الباب، وأبى أن يفتح، وكأنه يهمس لليلى بأن تستعجل القراءة، فأخذت الأم تطرق وتطرق، ولا ترد ليلى إلا بأن تتصفح الرسالة الثامنة
(8)
«إنني بخير ولله الحمد.. تحسن وضعنا عما كنا فيه.. حافظي على كنزنا، فهو أمانتك إلى أن تسلميني إياه في حال وصلت، ونأمل من الله أن نصل.. تبضعوا ما تريدون، فإني قد بعثت مبلغًا زهيدًا لكم.. لن أبخل عليك بالرسائل كعادتي، إن استطعت.. والسلام».
والأم لا تكلّ ولا تملّ بالطرق، والهواء يزيد في كيده وقوته بأن يحجب صوت الطرق، والباب خائفٌ يقظٌ متمسكٌ أشد التمسك، وليلى تستزيد بقراءة الرسالة تلو الأخرى. قلبت الصفحة لتقرأ الرسالة السابعة.
(7)
«إنني بخير، ونحمد الله على ذلك.. حدث لنا حادثٌ كدنا به أن نُمسك وتغيب شمسنا، إن كان لنا شمسٌ في الأساس.. كيف حال الكنز؟ حافظي عليه، واجلبي له كل ما يريد.. اشتقت إليكم جميعًا، إنني أبكي الآن، والغريب أنني لا أبكي وأنتِ خير من يعرفني، ولكن كلما هممت بأن أبعث لكم رسالةً، تخنقني نفسي ويزداد بكائي.. سأواصل بعث الرسائل من حين إلى حين، إن استطعت.. والسلام».
فأخذت تقلب الصفحة، والدموع يابسةٌ على خديها من شدة الهواء العاصف، والأم تستمر وتصدح بصوتٍ جهوري: ليلى!.. ليلى!.. ليلى!
(6)
«أهلًا.. أبشرك أنني بخير.. ونأمل من الله أن كنزنا بخير، وحامي الكنز بخير.. أكلت شطيرة التونة كما كنتِ تطهينها لي.. ليست لذيذة بحد ما تطهينها أنتِ، ولكنها مقبولة.. لدينا رحلة ونجهز لها، لا أستغني عن دعواتك، فإنني أتلمسها وأحس بها.. حفظك الرحمن».
قلّبت الصفحة بسرعة..
(5)
«أهلًا (منال)، كيف حالكِ؟ إن شاء الله أنكِ على ما يُرام.. أنا لست على ما يرام، الحقيقة، لأنني أفتقدكم.. ولكن سأصل. وكيف حال الكنز؟.. لعلمك! حالي من حاله، إذا طاب طبت وإذا خاب خبت!.. حافظي عليه، والسلام».
تمردت إحدى الدموع، واستقرت على كلمة (الكنز) في ورق الرسالة، وبكى جميعهم، الكلمة وليلى.
(4)
«إنني مشتاق، وما حيلة المشتاق إلا أن يتوجد ويضرب بكفيه ويبكي.. أريدكم بشدة معي.. وجدت زهرةً ذكرتني بكِ، فأخذتها وقبلتها وحفظتها في جيبي، فإنني أعزي نفسي بها، فكأنكِ معي. كيف حال كنزنا؟.. صونيه، ونسأل الصون من الله.. والسلام».
يئست الأم، وجلست أمام الباب جاثيةً باكية، تلطم رأسها كما تلطم الرياح العاصفة رأس ليلى. انتقلت، بعد موجةِ بكاءٍ شديدة، إلى الصفحة الثالثة.
(3)
«لا تدعيهم يعبثون بفكركِ، ويقنعونكِ أنني (ميت)! هذا محال! ولا تقيموا علي صلاة الغائب.. إنني حي لا أُرزق، ولكني حي! احذري يا منال!.. إنني أريدك ولا يرغبونكِ بزواجٍ أو غيره.. حافظي على الكنز، ولا تخبريهم».
وقفت ليلى من هول الصدمة! تصرخ بشدة! ويخالط البكاء بسمةٌ طفيفةٌ بدّلت موالح الدموع سكرًا! فقلبت الصفحة لتقرأ الرسالة الثانية!
(2)
«أنا فرحٌ جدًا بأن أول مبعوثٍ لي وصلك! ونحمد الله عليه، لا تخافي، سأواصل الرسائل، وسأخبرك بكل ما يحدث لي، والأهم أنكِ عرفتِ أنني حي، و أينني من هذه الدنيا الفسيحة!.. حافظي على كنزنا، ولا تخبري أحدًا!.. أحبك».
ازدادت البسمة الطفيفة اتساعًا، بقهقهاتٍ دوية! إذ إن مكمل فرحها بخبر (حياة الأب) مكانه الذي يقطنه! فقلبت ليلى الصفحة مسرورةً جذلةً لترى أين أبوها!
(1)
«أهلًا.. أنا (صالح)، وأعلم أنكِ لن تصدقي أنني هو، ولكن ثقي بالرسول الذي بعثته، وأنا حيٌّ ولله الحمد.. إنني مشتاق لكم ولكنزنا (ليلى)! حافظي عليها.. إنني مشتاق لها أشد الاشتياق، ولكِ أيضًا، أعلم أنني أطلت الغياب، ولكن ليس بيدي حيلةٌ اهتدى إليها، فكما تعلمين أنني أتخبأ في جزيرةٍ بدولة……….»
جحظت عينا ليلى، إذ إن الصفحة المذكور فيها باقي الرسالة قد قُطعت! فأخذت تقلّب الصفحات كالمجنونة، تبحث عن الأحرف، ولا تجدها! وأثناء قلبها السريع، ومرورها على الصفحات بحثًا عن القطعة الناقصة، انتبذت هذه القطعة، وتمردت من المفكرة، وأخذها الهواء عاليًا، وأشهقها نحو السماء، وسمقت سموقًا عجيبًا، وليلى تنظر إليها حاسرة. فاتخذت المصطبة مساعدًا لها لالتقاطها.. فخرّت ليلى هاويةً من فوق الشرفة! وأخذ الهواء يلامس جسدها النحيل، وشعرها المنساب، وجيدها ووجنتيها..و حاول أن يخفف بملامسته إياه أثر السقوط، ولكنه لم ينجح، وكان للأرض نصيبًا في هذه العمعمة، إذ أنها لامست دمّها المنسكب الغزير. والقطعة الناقصة تطير بهوادة .. رويدًا رويدًا، إلى أن استقرت في منقع (الدم)، وأخفى الدم النص المفقود كليًّا.



توقعت من البداية ان الكنز هي ليلى
ولكن النهاية! ما اكتملت الفرحة أنها لقت ضالتها حتى أصبحت هي الضالة التي لن تعود!