تأكّد، حرسك الله، أن من سأتحدث عنهم ما هم إلا (شرٌّ أُميط) عن كل عاقلٍ سويّ؛ لأن الشرور جميعها لا تقوى على هذين الشرين، فهما مترادفان خليلان، لا يقبل الأول أن يفارق الثاني، وهما: الحسد والكذب. ومن يكتسيهما ويجعلهما محرابًا يصلّي نحوه، فما هو إلا الشر بعينه الذي أُميط عنّا إن أحسنّا إماطة أنفسنا منه. والإحسان عندي ألّا تصادقهم، ولا تتقاطع معهم بحديثٍ أو مكوثٍ أو غيره، كائنًا من كان، إلا الوالدين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83]. وإحسان الرب، عز وجل، أعظم وأجلّ من إحسان عبده ( الصعلوك )، أنا.
وتتبّع، زادك البصير بصيرةً، حياتهم، وستجد أن رزقهم ممحوق، وسعيهم محبوط، ومنالهم عسير، ومُناهم مُنىً، وأن صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وجلّ عباداتهم لا تغنيهم، ولا تزيدهم من أنعام الحياة الدنيا شيئًا. فترى الواحد منهم، منذ أن عرفته، وحاله واحد لا يسمق البتّة، وهذا هو المحق. وترى الواحد منهم يسعى سعي السباع، ثم لا يظفر بشيءٍ إطلاقًا، وإن ظفر سرعان ما ينتكث ما ظفر به، ويصير سرابًا يريد قبضهُ، وهذا هو الحبوط. أمّا الصلاةُ والزكاةُ والصيامُ وجلّ العبادات، فترى منهم من لا يقوى على عبادته أحد، ثم تلتفت إلى سَير حياته فلا تجد أثرًا لتلك العبادات عليه، من الناحيتين: الشخصية والدنيوية. أمّا أجرها فعند الله. وأما من الناحية الشخصية، فحين تتدبّرهُ وتطالع حياته، لا تجده تهذّب، ولا ترك الفَسْل والدناءة، ولا يزال يطوّع رقبته للشرّين، الحسد والكذب، فأين التأثر بما يقوم به من عبادات؛ فالدين والتشريع يذودان عن مكارم الأخلاق، ورسول الشريعة التي يشرع بها شخصنا الحاسد الكاذب يقول: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فأين تأثير الشريعة كلّها عليك؟ وأما من الناحية الدنيوية، فقد أفضت آنفًا بأن سعيه محبوط، ورزقه ممحوق.
واعلم، حفظك الله، أننا قلنا آنفًا، ونزيد، إنهما توأمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ وذلك لأن الحسد كالأساس الثابت، والمتحرّك هو الكذب؛ إذ إن الكذب هو الذي يغطي مساوئ الحاسد الدنيوية من فقرٍ وإملاقٍ وقلّة قبول. فيلجأ الحاسد إلى الكذب، ويضفي على حياته البائسة ما حَسدَ به المحسود، سواء أكان علمًا أم رزقًا أوتيه المحسود. ووددت أن أقطف لكم رواياتٍ عدّةً عمّا واجهت من هؤلاء الشراذم، ولكنني لو جئت بشيءٍ من قصصهم لذكرتهم بالاسم، ولا أبالي، ولا يستوي عندي ذكر قصصهم إلا بذكر أسمائهم عنوةً. ولكنني آثرت سلامة العقل، لأنني أعلم كل العلم أنهم (شرٌّ أُميط) عنّي، فلا داعي لبعث هذا الشر.



الله يبعد عنا هذه الصفات وأهلها