أتململ قادمًا من المسجد، عند انتهاء صلاة العشاء، إلى منزلي. وصلتُ وأغلقتُ باب شقتي الأول، وأردفته بالباب الثاني، ثم اختتمتُ مسيرة الغلق بباب غرفتي، وقعدتُ أُكمل ما كنتُ عليه من قراءاتٍ وتدوينٍ وسرقاتٍ من عملي الوظيفي. فكنتُ لا أدرك شيئًا معينًا إلا والآخر يطلب مني أن أُنجزه، فأترك ما بيدي، وأشرع في إنجاز المطلوب. وأثناء هذه المعمعة صدر صوتٌ غريب، فالتفتُّ، فإذا بقطة فوق مكتبتي! فجمدتُ في مكاني، وأصبحتُ كالفنجان الذي له قرابة الشهرين لم يُغسل، جامدًا شاحبًا؛ لأنني أخاف القطط، أو قل: أخاف كل شيء لا أتنبأ بردة فعله، والقطط من الحيوانات التي لا يتنبأ الإنسان بردة فعلها؛ إذ إنها، في نظري، مخلوقٌ عبثيٌّ لدرجة كبيرة جدًا، مواقفه غير مخطط لها، بليد جدًا، عشوائي، غير مستقر، كاره للروتين، متجدد، وذو طاقة عظيمة، مزاجيٌّ أشد المزاجية، غريب الأطوار، جاحدٌ وبجيح، ذو نفجٍ وبذخ. فأخذتُ أسترق النظر، جامدًا، لكي لا يصدر مني صوتٌ يخيفه، ويفتعل له فعلًا يخيفني، ولأنني مستحضرٌ السجن الذي أنا فيه من إغلاقي للأبواب الثلاثة التي قد أغلقتها، فكيف يخرج هذا البلاء!
أخذتُ أسترقه ويسترقني، وكلانا خائفٌ من الآخر. فتنحنحتُ لكي أرى ردة فعلٍ أولية أختبر منها مدى خبول هذا القط، فارتاع وذهب نحو قسم أعمال (زكي مبارك). فافتعلتُ فعلًا آخر أُثبت به مدى قوة خصمي، فكشّر عن أنيابه، كمحتويه بالقسم (زكي مبارك)، وأخذ يُماوي ويجهل فوق جهلي حين أُصدر صوتًا أو حركة. فصمتُّ برهةً، ثم راغ سريعًا من وراء اللوحات التي فوق المكتبة نحو قسم أعمال (العقاد)، فأخذ ينظرني وكأني أنا من اقتحم منزله، لا هو من اقتحمه، وأخذ يزدريني بعينه وردود أفعاله، ويمشي في الأرض مرحًا.
فسئمتُ من هذا الخيلاء، فهششته فراغ مدبرًا، واختفى خلف لوحة (العشاء الأخير) لدافينشي، وكأن (عيسى بن مريم) -عليه السلام- محتويه بمد يديه وهو على طاولة العشاء الأخير. فاستعجلته؛ لأنه أخذ زمنًا طويلًا في كنف عيسى المسيح، فأظهر لي عينيه، وقمتُ أصفق بيدي، لا حيلة لي إلا هذه، فإذا هو يمر سريعًا من لوحة (إيفان الرهيب)، ووقف برهة عندها، وكأنه يعزيه بمقتله لابنه، وأكمل سيره نحو لوحة (موت سقراط)، ووقف عندها الأخرى، ويا ليته رشف السمَّ عن سقراط، وارتحتُ من هذا البلاء. ثم رأيته اختل وجفل حين رأى الجمع الغفير من البشر عند مروره بلوحة (مدرسة أثينا)، فراغ، واستقر بقسم أعمال (المنفلوطي)، فهدأ ولان طبعه، وارتخت عيناه، وأصبحتُ عنده ذا قبول، وكأن صنبورًا من الجنان قد تفجّر بأرجاء نفسه الجفولة.
كل هذه الرحلة حدثت وأنا أهشهش وأهدده، جامدًا في مكاني. ثم حين أحسستُ منه نعومةً ورقةً وهداوةً وهوادةً، ارتحتُ للأمر وأكملتُ أعمالي، بل إنني ذهبتُ إلى المكتبة وهو عند المنفلوطي، وأخذتُ كتابًا أحتاجه منها، وهو نائمٌ مستقرٌّ مطمئن، ورجعتُ وأكملتُ واجباتي كلها. ولعلي حين جئتُ أرتب الكتب وأوراق العمل كفيتُ الكأس، وهذه من عاداتي، فارتطم الكأس بالأرض، وأصدر صوتًا أشبه عنده بالرعد، فصحا وصاح يُماوي. فقمتُ أتحسس الذكريات لكي أتذكر حديث القطين في مقالة كتبها الرافعي ذات مرة، عن أن هناك قطين يتحادثان، أحدهما قال للآخر: ناو، ناو، ناو… فقال صاحبه يرد عليه: نو ناو ناو!!! وما أعرف سواها من لغة القطط. فرفعتُ صوتي بلغتي، لا بلغته، قائلًا: إنك في كنف المنفلوطي ذو العذوبة والرقة! ما بالك تضجر وتضيق؟ فكأنه سمعني، وارتخت عظامه، ورجع كما كان يستعد للنوم مجددًا. فقلتُ له: أما آن للراكب أن ينزل؟ ففتح إحدى العينين، ففهمتُ الجواب منها. فصمتُّ، وبدأتُ أرتب الكتب وأوراق العمل بهدوء لكي لا يستيقظ صاحبنا، وتأبطتهما وخرجتُ من غرفته، لا غرفتي، فأنا في حكم قويٍّ على ضعيف.
ثم خرجتُ، وبعد مدةٍ من الزمن عدتُ، فإذا به قد عقبني من شقتي نحو باب الخروج؛ إذ إنني مهدتُ له الطريق عند خروجي بفتح كل الأبواب، لكي لا يرتاع وينتج هذا الارتياع عبثًا بمقتنيات الغرفة. ففهمتُ منه، ومن صمته ومشيه المتململ، أنه قد قضى وقت فسحته وعبثه عندي. ثم بعد ذلك تمتنت العلاقة بمصاحبته إياي بعد ذلك، عند خروجي من المنزل قاصدًا السيارة، أو عند ذهابي إلى المسجد، أو عند أي لزومٍ يحتم عليَّ الخروج إلى الشارع، فأجده، حين يلمحني، ينهض نهضًا، وإن كان في أعسر الظروف، فيقف أمامي، ثم لا يفعل شيئًا إلا الوقوف والمطالعة. والحقيقة أنني لم أفهم ما يرمي إليه من هذا الوقوف والمطالعة، ولكنني أبادله الوقوف والمطالعة. وشاع في أرجاء المنزل أن لي صديقًا مؤذيًا، وخاصةً عند والدتي؛ لأنه يزورني مرارًا في غرفتي، وقد أحدث أمرًا جللًا مرةً من المرات، وكنتُ آنذاك غير موجود، إذ إنه قذّر غرفتي، وطردته أمي من جنته، وبات أسيرًا للعالم الفسيح.
وحين عدتُ من انقطاعي عن منزلنا لظروفٍ قد ألزمتني أن أرحل إلى محافظةٍ أخرى، رجعتُ وسلّمتُ على كل أهلي، وبقي هو، فذهبتُ أبحث عنه ولم أجده. بحثتُ عنه في كل مكانٍ يحبه، ولا حيلة لي بوجوده. فرآني ابن أخي الصغير، وأنا أتحسس الأماكن في الشارع، قائلًا: أنت تبحث عن القط؟ قلتُ: نعم! هل تعرف أين ذهب؟ قال بصراحة الأطفال المقيتة: لقد دُهس!.. فضربتُ بباطن كفي على جبهتي!
هذه المقالة إهداءٌ إلى أبي الشمقمق كما انعته (القط الصديق)



بس شوف الصورة الي مخليهة😭🤣🤣
تخيلت المشهد وضحكت أكثر