ذكر أبو حيّان التوحيدي في كتاب «أخلاق الوزيرين» حادثةً مجنونةً عن «ابن عبّاد»، قائلًا: «خرج ابن عبّاد من عندنا، يعني الرَّي، متوجهًا إلى أصفهان، ومنزله ورامين، فجاوزها إلى قرية غامرة على ماءٍ ملح، لا لشيء إلا ليكتب إلينا: كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت نصف النهار».
لا شك في أن ما فعله ابن عبّاد جنون؛ لأنه خالف طريقه إلى طريقٍ آخر، ولعًا وحبًّا بالسجع! وأنا هنا لست ناقدًا، بل شارحٌ لهذه الشعرة الفاصلة بين التعقّل واللوثة. شرحتها لأنها بي، ومعنى أنها بي ليس تبريرًا ودفاعًا عني وعن ابن عبّاد، ودحرًا للنقد جانبًا، بل هي انطلقت من منطلق «التفهّم» و«التجربة». ولأنها بي، فأنا جرّبتها، ولأني جرّبتها، فأنا تفهّمتها.
جنوني وجنون ابن عبّاد أسميه «الجنون النبيل»؛ إذ إنه يأتي من أمرٍ نبيل أو ذي مكانةٍ رفيعةٍ لدى الإنسان. فإذا أردنا تقريب الأمر، فمن جُنّ بالفن دخل دائرة «الجنون النبيل»، وأعني السينما والرسم والموسيقى والمسرح، إلخ. وصاحبنا جُنّ باللغة، واللغة تدخل فيما عنيت.
ولأني قلت لكم إنني جرّبت وتفهّمت، فسأشرح لكم ما جرّبت من مشارب الجنون النبيل، وبالطبع، عند الشرح سأعرض لكم ما تفهّمته. ولنبدأ أولًا بشرح «الجنون النبيل»: هو ليس التعلّق أو الاهتمام المبالغ فيه، بل هو حالة هيستيرية تفصل عقلك ونضجك، طوعًا عنك، بتأثير ما هسترك وفصلك عن نضجك وتعقّلك، والذي هو مشرب من مشارب «الجنون النبيل».
وتجربتي جاءت بالشعر والقرآن والأغاني؛ فأكثر ما يصيبني من الجنون أو الهيستيريا هو من هذا الثالوث.
ولنبدأ بالقرآن الكريم: أنا أطرب له وأستمتع به، وأتأثر وأتعجب منه، وما يسوقني إلى الجنون إلا هذه التشكيلة من الطرب والاستمتاع والتأثر والتعجب. فإني أحرص مؤخرًا على أن أقرأه وحدي، بعيدًا عن الناس، لكي لا يروا تفاعلاتي معه. فمن تفاعلاتي، مثلًا، قول: «يا سلام!»، هازًّا رأسي يمينًا ويسارًا، وعاقدًا حاجبيّ من فرط المشاعر.
ولي مع كلمة «يا سلام» موقف؛ فأنا من عشاق سورة «النجم» بما فيها من ذود الله - عز وجل - عن نبيه، فالسورة كلها دفاع من الإله عن عبده. ولا أحكي لك، يا صاحبي، عن القوة العجيبة الإلهية التي أراها من صقع الكلم، ونفاذ الحجج، والغضب على من كذّبوه. وعلى الأخص آية: «أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى» [النجم: 12]؛ غضب رباني وتبرئة إلهية لعبدٍ ماروه أهلهُ، رغبةً في تكذيبه وإخراجه بالصورة السيئة، فأتى الرب، خالق كل شيء - سبحانه - ودافع عنه.
والموقف أنني كنت أخطو مسرعًا نحو المسجد لألحق صلاة المغرب، فإذا بالإمام يقرأ سورة النجم، فقلت وأنا أخطو بلا إرادة منّي، أو بجنونٍ نبيل: «يا سلام!». ثم رجع عقلي إلى كراسيه، فالتفت يمينًا ويسارًا لكي أرى هل هناك أحدٌ سمع ما قلت أم لا؟ فما رأيت إلا طفلًا، فقمت أبتسم له راغبًا بأن ينسى ويستر.
وما يعادل سورة النجم عندي إلا سورة «المدثر»، وكلتاهما فيهما ذودٌ وتبرئةٌ عن النبي، صلوات الله عليه. ولا سيما قول الله - عز وجل - لنبيه: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا» [المدثر: 11]؛ «ذرني» أي: اتركني، أو خلّ بيني وبينه. والمعنيّ الوليد بن المغيرة، حين فكّر وقدّر، فاتهم الرسول بأنه ساحر. فانبرى له الله - عز وجل - قائلًا لنبيه: «ذرني»، دعني معه، أو خلّ بيني وبينه. ثم استفاض في توبيخه ووعيده بالنار: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ» [المدثر: 26-30].
وأيضًا ما يمتعني فيهما جرسهما الموسيقي، وأعني كلتيهما، وبلاغة الكلم. سبحانه الكريم.
أما الثاني فهو الشعر، وأنا لا أستحي ولا أرعوي من أن يراني أحدهم مخبولًا به، بعكس القرآن، بما فيه من حرمة واحترام لكلام الله - عز وجل -. وجنوني كله ينصبّ عند الشعر البكر الذي لم يُطرق، ولم يطأه شاعرٌ بعد.
ومما جننت به مؤخرًا قصيدةٌ منزوية لمساعد الرشيدي - رحمه الله -، وما أثارني سوى المطلع الذي يقول فيه:
«مراهيش نوّك ما تبل الورق يا هن
لها اليوم تاسع يوم تبرق ولا سالت!»
«يا هن» لفظة رائعة! منسية، مهجورة، يتيمة؛ سمّها ما شئت من مرادفات الوحدانية. أعاد إحياءها بعد مماتها. ولا أظنها ماتت وقتئذٍ، وبالتأكيد هي ميتة الآن. ولعلني استملحتها لأنها منسية الآن، وعلى كل حال هي لفظة رائعة، والأروع منها البيت كله.
أما القصيدة الأخرى، فهي لأحد ملوك تميم في الشعر، «الفرزدق»، حين انبرى لهشام بن عبد الملك بن مروان، مدافعًا عن «علي بن الحسين زين العابدين». إذ لمحه هشام بن عبد الملك وهو يطوف الكعبة، فرآه يقرب رويدًا رويدًا من الحجر الأسود، والأنام طائعون له مذعنون، يفرجون الطرق والسبل لتوصيله إليه، بكل الطرق، إلى أن وصله من غير لغبٍ أو مشقة.
فأغاظ ذلك هشامًا، فقال قوله الذي يشوبه ازدراءٌ واستصغار:
«من هذا؟» فرد الفرزدق بأعجوبته هذه:
«هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ
وَالبَيْتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلِّهِمُ
هذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطّاهِرُ العَلَمُ
هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ
بِجَدِّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا
وَلَيْسَ قَوْلُكَ: مَن هذا؟ بضَائرِه
العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجَمُ
كِلْتا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفعُهُمَا
يُسْتَوْكَفانِ، وَلا يَعرُوهُما عَدَمُ
سَهْلُ الخَلِيقَةِ، لا تُخشى بَوَادِرُهُ
يَزِينُهُ اثنانِ: حُسنُ الخَلقِ وَالشِّيَمُ
حَمّالُ أثقالِ أقوَامٍ، إذا افتُدِحُوا
حُلوُ الشَّمائلِ، تَحلُو عندَهُ نَعَمُ
ما قال: لا قطُّ، إلا في تَشَهُّدِهِ
لَوْلا التَّشَهُّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ»
عند هذا البيت أمسكت رأسي ذهولًا:
«ما قال: لا قطُّ، إلا في تَشَهُّدِهِ
لَوْلا التَّشَهُّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ»
وعند هذا البيت الذي ضمّن فيه جدته «فاطمة الزهراء» وأباها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، «محمد بن عبد الله»:
«هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ
بِجَدِّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا»
وعلى كل حال، فالقصيدة كلها عندي من عيون الشعر. وسأسرد الآن عدة أبيات جننت بها أشد الجنون، دون تعليق أو شرح أو تنبيه؛ لكي لا تصبح المقالة شرحًا شعريًا.
منها قول الشاعر:
«مَن تلقَ منهم تقُلْ لاقيتُ سيِّدَهُم
مثلُ النجومِ التي يُهدى بها الساري»
ومنها مرثية «مالك بن الريب»، ومرثية «ابن الرومي» لأبنائه، ومرثية «شمس الدين الكوفي» للعراق حين سفكها المغول. كل هذه القصائد فصلت خيط التعقل عندي، وأذهبتني إلى ملكوت الجنون، بانفعالاته وردود فعله.
أما الأغاني، فذروة الجنون بها حين نذرت نذرًا بأن أقبّل أنف «نواف الجبرتي» حين أصادفه؛ لأنه أخرج ما فيّ من عدم تعقّل بما يصدح به من طرب وجمال. ثم إنني أعتقد لو أنني ذو مال لأغدقت عليه المال إغداقًا، ولرويته ريًّا لم يروه خلفاء العالمين وملوكهم على من يطربهم. فكل كريمٍ طروب.
وأغنية «النجع» للعبقري محمد حسن؛ فما بعثرني وزاد جنوني، وما عدت إلى عقلي إلا حين اتصلت بي والدتي قائلة: «ما هذا الصراخ؟» فاعتذرت بأنني أشاهد مباراة كرة قدم. وهذا كله من مفعول مقدمة «أغنية النجع» لمحمد حسن وذكرى. وأدعوكم إلى سماع المقدمة؛ لتستمتعوا بالملحمة الموسيقية.
ثم إن الجنون النبيل عندي لا يقتصر على أغنية، أو تدبر قرآني، أو بيت شعري، بل إنه يلامسني حين أرى لوحة عظيمة ذات معانٍ فريدة، أو جدارية مزخرفة تاريخية. وفي النثر أيضًا، ولا أقدر أن أترك النثر هكذا بذكري له أنه يجنّني بغير أن أذكر شاهدًا.
حينًا من الأحيان كنت أشاهد مشهدًا من مسلسل «الزير سالم»، ودار حوار بين «ابن عُباد» و«كليب». يعاتب ابن عُباد كليبًا بقتله ناقة البسوس، فرد كليب بأنها ناقة تافهة، فكيف تأتيني، يا ابن عُباد، بهذه الحدّة والشراسة من أجلها؟ فقال: «إنني لم آتك لأجل الناقة، بل من أجل احترام الجوار؛ كيف تفعل هذا بجارك؟» فقال كليب: «لا جوار إلا جواري، يا ابن عُباد».
هنا قلت، من فرط هذا العلو والكبر: «الله أكبر وأعلى، الله أكبر وأعلى»، وكأن أحدًا أنبأني بوفاة أحد الأعزاء. لا، أنني أشاهد مشهدًا من مسلسل. وغيرها من الشواهد الجنونية النبيلة، التي لو عددتها لما تسنّى لي أن أصمت.
ولهذا فإنني أتفهّم كل ما يسوق الإنسان العاقل السوي إلى حواف الجنون واللوثة؛ أتفهّمه بالنبل فقط لا غير. فغيره لا أفهمه، لا لأنني لا أتفق معه، بل لأنني لا أفهم ولم أضمر بمضمار ما جُنَّ به.
ولكل إنسان منا هذه الحالة من عدم التعقل؛ تعود وتروح، تأتي وتذهب، تدنو وتنأى. ولكلٍّ سياقٌ ومعيار يسمق ويدنو بردود الفعل، وإنني أود أن أقرأ وأسمع ممن يقرأ تجاربه المجنونة النبيلة.



كل منا يعيش و يكون بحاجة أن يعيش بعض لحظات الجنون الذي يخالف المعهود عنه ، يكسر روتينه المعتاد كي يخرج من جو الرتابة التي يشعر بها ، و من ثم يعود لطبيعة حياته بروح حية .
جنون نبيل؟ نقيضين في تعريف، أُعجبت, سأتخذه بلا شك كمسمى لأحدى الحالات التي تصيبني، وأولها عند القراءة، يحضرني الآن موقف يُعجب
ألا وهو في إحدى الصباحات والكل نيام كنت أقرأ كتابًا، ومن النادر أن يكون هناك أحدٌ إلاي في تلك الصباحات، وأنا أتفاعل مع كتبي كـ”يا سلااام” خاصتك، ولكنني أقول “وااااو! أو ماي قاد!”
دخلت والدتي فجأة وفي يدي كتابًا يجعلني أحلق سرورًا، أضحك وأتلفظ بتلك الكلمات، خضنا حوارًا انتهى بـ “الله يشفيك يابنتي”
وأيضًا تصيبني عند سماع فكرةٍ جديدة، أتفاعل بشكل مبالغ يضحكني أنا قبلهم.