رِتمٌ هادئٌ ومتزن، كأنه الصراط المستقيم، قلّما يحرّكه شيء إلا بعض الفترات التي تعتمد، في غالب الأمر، على الطقس الجميل؛ لأن أرضها طيبة المنبت، وجوّها أطيب من أرضها بنسائمه، فإن زاده الله بالحيا ومرادفاته، ازداد جمال جوّهم جمالًا، وهرعوا هادئين مزدحمين يبحثون عن أُنسهم. ثم إنها كأنها تعيش في القديم، أو أن القديم يحوطها من كل اتجاه، في رسم الشوارع - وإن كانت مؤرصفة وجديدة - وفي طبيعتها الاجتماعية؛ إذ إن أهلها يفترون ويهرعون إلى بيوتهم عند العاشرة مساءً، وهذا مخالف للسائد المعروف. وحتى في التفاصيل الصغيرة، مثل أن أذان الفجر أذانٌ أولٌ يبدأ عند الثانية والنصف صباحًا، والأذان الآخر وقت دخول الصلاة الفعلي. وهذه من السنن المهجورة. ثم إنك ترى مصطلحاتٍ كـ(المهجورة) و(القديمة) قد بدت تتكالب على وصفي لها، وهذا ليس مبالغةً، بل إنني أعنيها فيما رأيت منهم، فهذه المصطلحات تأتي طوعًا لا قصدًا. إنني آتيها في كل رأس أسبوع، وأمكث يومين يزيدان وينقصان.
ومن مسحات القديم لديهم أنهم ما زالوا يتمتعون بالحياة الطبيعية، وأعني بها عدم استخدام أي (جوّال) أو ما يرادفه، فتلقى السعادة تغمر العائلة من كل اتجاه، جالسةً في حديقةٍ عامة، أو في أرضٍ خلاء تربتها طيبة، وهواؤها نقي، من غير أي أجهزة تسلب روحهم، وتبقي أجسادهم قاعدة. وهذه التفصيلة أعظم ما رأيت عندهم؛ فهم يكثرون من مخالطة الطبيعة: حدائق، ومضمار مشي، ونزهة برّية، وإلخ؛ مما تصنعه الطبيعة، لا مما نصنعه نحن، كأمثال المقاهي والمطاعم، وإلخ، من الحياة المدنية المصطنعة في المدن أو المحافظات الأخرى. ومما لحظته الكثرة الكثيرة لدكاكين الشاي، فهي، في ظني، أكثر من المقاهي، وهذا يخالف السائد أيضًا، ويعطي طابعًا كلاسيكيًا أصيلًا يخدم هويتهم (المتزنة القديمة).
ثم إنني لاحظت أيضًا عدم رضا أهلها الذين لا يعيشون فيها، وهذه الملاحظة مقرونةٌ بمواقف وقفت عليها، وبالميديا عند بحثي عن المحافظة؛ فقد قال لي أحد أهلها، الذي تعود أصوله إليها، إن من أتعس أيام حياته اليوم الذي يأتي فيه إلى هنا بأي ظرفٍ من الظروف. وعلى هذا النحو وجدت الميديا تعج بذلك. وهذه تفصيلة أعتقد أنها موجودة في كل محافظة لدينا، وهذا بسبب الفروق الهائلة والحياة الواسعة بين المدن والمحافظات، وجلّ معتنقي الكراهية للمحافظات هم فئة الشباب؛ لأنهم يريدون أن يروا الحياة كاملةً، لا ناقصةً محصورةً في أيام متشابهة. قد يأخذك هذا التصور عند القراءة إلى أن هذه المحافظة كئيبة وقديمة ومهجورة، كلا، بل هي متطورة، تطورًا يناسب طابعهم الاجتماعي المحافظ، فلا تخف.
القوة الشرائية هناك ضعيفة جدًا، وهذا اكتشفته من تطفلي التجاري؛ إذ إنني لا أدخل دكانًا إلا وقد فهمت من عمّاله القطاع الذي يشغلونه كاملًا. ومرةً حادثتُ عامل مغسلة، أو قل: عاتبته؛ لأنه يغلق دكانه ظهرًا، ولا يفتح إلا عصرًا! وهذا جنون في عالم المدنية الصاخبة، فالدكاكين هناك لا تغلق أبدًا. فأخذ يشتكي لي بأن لا أحد يأتيه، فما الفائدة من أن يفتح في هذا الوقت؟ وعندما أخذ عليّ، وزاد في صحبتي، قال لي: أريد أن أشتغل عندك، فأخرجني من هذه المحافظة. والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي أرى فيها عاملًا مستاءً من المحافظة التي أتحدث عنها. وهذا غريب! فإنني لا أرى ما يرون فيها، بل إنني أحببتها أشد الحب، وارتحت فيها أشد الراحة. فبعض المحافظات تنقلب كبدي من مجرد المرور بها، لا المكوث، فكيف لو مكثت؟ بعكس هذه المحافظة التي استقررت فيها نفسيًا، واندمجت مع رتمها الهادئ الذي يغلبه أحيانًا البطء. فلا أعرف السبب الحقيقي في اندماجي معها، هل لأنها تتناسب مع كوني لا أحبذ الازدحام والكثرة الكثيرة من البشر؟ أو لأنها صغيرة أقضي مشاويري فيها بكل راحة وسلاسة؟ أو لأنها كلاسيكية تميل إلى القدم؟ حقًا لا أعلم، ولكن ما أعلمه أنها أحاطتني بجمعٍ غفيرٍ من القبول.
وفي سيرة الجمع الغفير، فقلّما تجد جمعًا من سكانها يجتمعون في مقهى أو مطعم أو ما شابه من مسببات الاجتماع، وقلّما أيضًا ترى امرأة. ولي مع صديقٍ شقيٍّ (مليعين) حديثٌ قاله لي، وهو يائس من البحث عن (فتاة)، قائلًا: يبدو أننا في أفغانستان!..
أهلها يميلون إلى الجدية والصرامة أكثر من السماحة والرخاء، ومن تأثير الصرامة تجد عمّالهم الماكثين مثلهم في صرامتهم، وقد تميل الصرامة أحيانًا إلى أن تصبح تعقيدًا يظنه المعقَّد مقصودًا منهم ومن عمّالهم. وهم ذوو علم، وهذا مشهودٌ لهم، وذوو كرمٍ مع من يعرفونه فقط أو مع من يشاكلهم، وهم يُشاكلون بعضهم بعضًا من الناحية الطبائعية، فتلقاهم يلقطون (الغريب) لقطًا، ويعرفون أنه ليس من ديارهم، وهذا لأنهم يعرفون بعضهم البعض.
أما أشكالهم وطبائعهم فتنقسم إلى قسمين. أما القسم الأول، فهم سُمرٌ تخالط سمرتهم حُمرة، ومردٌ قِصار، يميل معظمهم إلى البدانة والتكوير، وأنوفهم منبسطة، وعيونهم متفرقة صغيرة، وطبعهم وطبقتهم الاجتماعية قاسية عبثية؛ إذ إن هندامهم بسيط، يصل أحيانًا إلى أن يكون باليًا، وسياراتهم قديمة. وقد تبين لي أن أصحاب هذا القسم مزارعون أو أصحاب ماشية، مما رأيت منهم من غلاظة طبع، وسوء هندام، وحالة عامة رأيتها فيهم.
أما القسم الثاني، فهم متوسطو الطول، بيضٌ حمر، تبدأ لحاهم من عِذارهم، وأنوفهم حادة خرطمانية، وعيونهم معتدلة، وحواجبهم كثيفة. طباعهم هادئة، تصل أحيانًا إلى أن ترى أن هذا الهدوء بلاهةً وبلادة، هندامهم سليم ومرتب وقد يغالبك الظن بأنهم اثرياء.
وأنت ترى الفروق بين الغالب البشري المحصور في القسمين الذي حددت، ولكنهم يتلاقون في صفات، منها الصوت، فأصواتهم كصوت الكهلة العجوز. وهم كذلك يجتمعون في صفة أخرى، وهي النبذ؛ إذ ينبذون كل غريب يلمحونه، خاصة إذا كان الغريب ذا جذورٍ بدوية.



في وصف المحافظة أو القرية ، أظن أن معظم المحافظات أو القرى في المملكة متشابهة وحتى الأهالي متشابهين في الطباع ، وحتى النظرة .
وأخص هنا محافظات وقرى نجد ، متشابهة لحد كبير .