عظيمُ اللحية، أشمُّ الأنف، كثيفُ الحاجب، لحيمُ الجفن، عيناه جاحظتان قليلًا، ليس بالقصير الملحوظ، وليس بالطويل اللافت، حنطيُّ البشرة. يتهندم كالسلف الصالح؛ فحين تتبع هندامه، ستجد من نحره ثوبًا إلى أن تصل إلى نصف ساقه، ثم يكمل مسيرة التتبع جلده؛ إذ إن ثوبه يقف هنا. وهو على خلافهم في ترك (العِقال) وعدم لبسه.
ولكي أصدقك القول، هو لم يتقيد بهذا التقيد طامعًا في تقليدٍ أو تأثيرٍ أو حتى إيمانٍ زائد، بل يتخذه كما اتخذه العرب من قبله من اخشيشانٍ وفحولة، بعكس ما نرى ونسمع في وقتنا الحالي. وأراد أيضًا من تقصير الثوب تحديدًا (التواضع)، فقد سمعت منه يقول: «إني أجد في نفسي كبرًا وخيلاءً وترفًا ونعومةً حين أسبل». والحق أنني وجدت فيه، مع كثرة مجالستي إياه وسماعي وقراءتي له، أنه ينافر الكبر ويكرهه، ولو دنا الكبر منه بشبر لنأى عنه بسنين.
اصطدمت به - حفظه الله - في إحدى مكتبات القاهرة منذ زمن. كانت أول مرة أراه فيها بهذه الفعالية والحضور: بسمةٌ عريضة، وعينان تتلألآن جذلًا، وروحٌ يسكنها طفلٌ لا رجل. وجدته يجلب أطنانًا من الكتب، يدفع بها عند قدم عجوزٍ قاعدة، قاعدةٍ على كرسي، ويريها ما اختار من عناوين ومقتنيات، وترد عليه بإيماءاتٍ أو بعي غير مفهوم. ثم بعد ذلك عرفت أنها بكماء، وأنها والدته، أتى بها لتتعالج هناك.
وهذا الاصطدام كان بسبب كتاب (زعماء الإصلاح في العصر الحديث) لأحمد أمين، طبعة 1948م؛ إذ إنني عثرت عليه واقتنيته، ووضعته جانبًا لكي لا يضيع في كومة الكتب. فعثر عليه صاحبنا وأنا لاهٍ بالبحث، فظن أنه غير مقتنى، فأخذه وضمه مع كتبه. فصرت كالمجنون أبحث عنه، وزادت حركتي وصوتي، فلاحظ أمين المكتبة، فأخذ يبحث معي، إلى أن قال رجل من ورائنا: هذا؟ فالتفتُّ، فإذا بصاحبنا ومعه الكتاب. قلت: نعم! قال: خذه، ظننت أنه حر طليق، فاصطادته شباكي. فقلت: هو لك، ولن يرجع البتة. ثم التأمنا منذ هذا الموقف.
وحين عدت إلى الوطن، بعث إلي قائلًا: القهوة. ومن هنا تمتنت العلاقة، وأخذت آتيه وأتعلم منه، ونتدارس ونتشارك حب الكتب ومآلاتها. وأخذت أرسل له نصوصي آخذًا برأيه، فيفيدني تارة، ويسوطني تارة، ويختتم بالمديح تارةً.
ثم في يوم من الأيام أراني نصًا عجيبًا عذبًا تتقطر منه العاطفة، فقلت: لمن هذا؟ فأومأ، وكأس الشاي بيده، نحوه. فابتسمت وقلت: هذا والله عجب! ثم لم أتطرق إلى أي سؤال بعد ذلك، برغم أن النص يوحي إيحاءً تامًا بأنه نص محب، وأظنه أطلعني عليه ثقةً منه بي بأني لا أسأل كثيرًا، ولا أطأ حقول التطفل.
ثم كلما تقابلنا أراني بعضًا من النصوص، واكتفي بردٍّ بلاغي بسيط فكاهي. وانقطعت عن مجيئه فترةً لظروفٍ وظيفية حالت بيننا، ولم ينقطع عن مراسلتي نصوصه، وأيضًا اقتضب التعليق عليها بردود مبسطة، خشيةً من إحراجه أو ما شابه. ثم لاحظت، بعدما استرجعت قراءتها، أن النصوص بدأت بعاطفة جياشة، ثم تدرجت دروجًا يسيرًا إلى أن استقرت في منطقة الهجران، أو ما شابهها.
ثم انقطع عن مراسلتي مليًّا، فأخذت أراسله، فأخبرني أن والدته في وضع حرج، وبعد مدة يسيرة وافتها المنية. فذهبت أعزيه وأهوّن عليه ما أهوّنه من هذا الحادث الجلل. كان يحب والدته حبًا جمًّا؛ فهو وحيدها وهي وحيدته، فوالده توفاه الله، وصاحبنا لم يره؛ إذ كان صغيرًا وقتذاك.
وقد زاد هذا الحادث الجلل حادثًا آخر؛ إذ إن من يكتب فيها النصوص المرسلة لي قد تركته وحيدًا أيضًا، إذ إنها، بعد وفاة والدته، كانت حبل النجاة له من جحيم الدنيا. فاعتزل الناس؛ إذ إن أحب الناس له تركوه على قارعة الوحدانية.
والآن؟ هو يعكف في مسجدٍ على طريق سفر، ويعتني بترتيبه وتنظيفه وإمامته، وينام في مخزنه، وتنام الكتب معه في حيزٍ مقداره من المخزن ما يقارب الثمانين بالمئة، وله هو العشرون. يمدد قدميه، وبالكاد يتقلّب يمينًا ويسارًا. وانقطع عن الدنيا وما فيها بعكوفه هذا، بالصلاة والصيام والقراءة والكتابة. وانقطع عني شخصيًا، ولا يحادثني إلا من عيد إلى عيد؛ إذ إنه زهد بالهاتف كما زهد بالدنيا.
أعلم أنني لم أشبع فضولك عن أديبنا [نديم النديم]، ولكن لن أدعك تقرأ كل هذا وتخرج خالي الوفاض. سأكشف ما عرفته عنه، وسأفسر ما غمض عندي منه، وهذا ما سوف يبرئني عندكم، إن شاء الله.
من خلال النصوص الواردة عندي منه، أنه عرف محبوبته أولًا من الهاتف، ثم تقابلا في جمعٍ غفير ثقافي. وأزعم أن هذا الجمع هو (معرض الكتاب)، لأن له نصًا يستجلب الذكريات فيه، يتحدث عن مقابلته إياها في معرض الكتاب، وهو نص واضح جلي. ثم إن هذا اللقاء لم يكن الوحيد، بل رادفه لقاء آخر أيضًا، في جمع ثقافي مرادف. أين؟ لا أعلم، ولكنني أذكره يرتاد المكتبات الأدبية التي تقيم محاضرات لأدباء ومفكرين، وأظن أن التقاءهما كان هناك.
والذي التقطته من النصوص أيضًا أن اسم محبوبته يبدأ بالميم وينتهي بالراء، ولن أرجح اسمًا بعينه؛ وهذا لأنه يوصف في أحد النصوص نفسه بأنه يقطن حرفيها: النون والراء. وإذا كان يقطن بين الحرفين، فالأكيد أن الأول يبدأ بالنون والأخير بالراء.
وله نص أيضًا بيّن فيه ديارها، وأخذ يتوجد، وتارةً يبكي على أطلالها. وأظن، ويلحق الظن زعمٌ، أن مبعث الفراق هو تركيبته من وجهٍ وجسدٍ وهندام؛ إذ إنه لا يتخلى عن هذه الكاريزما التي اصطنعها لنفسه، أو اصطنعتها الدنيا له. وهي فتاة لا تريد هذا القصر الزائد للثوب ولكل لباس، ولا تريد هذه اللحية العظيمة، ولا تريد هذه الجلافة الواضحة على طبعه ولا على فيزياء جسده.
ومما يدعم ما قلت عن سبب الفراق أنها قالت في أحد النصوص: «أنت رائع!.. ولكنك لا تصلح لي». وإن كان النص أخذ يستأنس فيه صاحبنا بكلمة «أنت رائع»، وترك ما بعدها عمدًا. إلا أن كلمة «ولكنك لا تصلح لي» لم تأتِ من عدم صلاح العقل والتفكير؛ لأنها تُقر له بذلك، وما أحببته إلا لعقله. فما تبقى لنا إلا ما ذكرت من حال فيزيائي جسدي مظهري.
وإني لا أتفهم سببها، ولست مقتنعًا به إطلاقًا، إلا حين تخيلت شكل فتاة حسناء وبجوارها صاحبنا؛ هنا تفهمتها قليلًا.
وقد تشكل عندي فهم يسير من خلال النصوص أنها قد أرادت النكوص عن قرار الهجران، وقابلها هو بالرفض؛ لا ردًّا لما فعلت به، بل لأنه يعتقد ويؤمن أن المحبوب لا يترك، وما داعي هذا النكوص إلا (الشفقة). فآثر نفسه على أن يُرى مشفوقًا عليه، فاعتزل العالم كله.
لعلني أشفيت بعضًا من فضولك، وإن لم أشف منه شيئًا، فأعدك بأن أورد نصوصه الباقية، ولعلك تكشف شيئًا لم أكشفه أنا. ولي عودة، بحول الله، بتحليل ما تبقى من نصوصه.



أعترف أنني كنت أظنه أنت متخفي خلف ذاك الاسم
وأعترف أن كتاباته رائعة، الله يطمئن قلبه
منشور قرأته لأول مره شدني بشدة للأديب المجهول لأقرأ من رسائله ومن جزالة نصوصه
لقد ندر في هذا الزمن من يشبه هذا الأديب المجهول