ولَّى هاربًا مذمومًا مدحورًا، خائفًا ترتعشُ بوادرُه رعشًا، وعيناه غادقةً بارقة، كبروقِ النجومِ الشاهقة. هوى من ركوبتِه مولِّيًا، فعادت إليه هاوية، فلطمها على الناصية، فوجفتْ ماقتةً عازفة، تبحثُ عن طيفِ الذكريات، إلى أن أصبحت آلًا من شدَّةِ وجفها.
فأكمل صاحبُنا سيرَه، وصياحُ البوش يتردَّد في أذنيه، فتناولتْ قدماه ذُروةَ جبلٍ أراده ذرًا ومبوأً، فحين شهق ذروةَ الجبل استقرَّ، فكاد أن يصهر الحجرَ بنهيجه، فهدأ رُويدًا ثم بكى، وكان يكتم بكاءه لئلَّا يسمعَه مخلوق؛ ففحولتُه ترفض أن تُرى واهيةً ضعيفةً، فلا تريد الجلمودَ والحشائشَ والمياهَ، ولا جلَّ الطبيعة، أن تراها هكذا؛ لأنَّه ليس حوله إلا إيَّاها. وممَّا يدعم كلَّ هذه الشكليَّات الطفوليَّة أنَّ صاحبَنا لم يبلغ الحُلم إلا بالأمس، فيأخذ ويغطِّي عينيه بأكمامه، ويلتفت يمنةً ويسرةً خوفًا من الفِطنة. ثم كفكفتْ جندُ الفحولة أدمعَه، فرقد من فرطِ اللَّغَب.
فصاح صائحٌ! ففزع صاحبُنا خائفًا، وضمَّ سيفَه إلى صدره يترقَّب، وأخذ يتلفَّت رائدًا مصدرَ الصوت. فسمع صوتَ عياءٍ ونهكٍ، فاهتدى، ورأى بسفح الجبل رجلين، كلٌّ منهما متقلِّدٌ ردينيَّهُ ولباسَ الوغى؛ أحدهما متعمِّم بعمامةٍ بيضاء، والآخر بعمامةٍ سوداء، وذو العمامة البيضاء على ركوبته يصول ويجول على خصيمه الراجل الذي لا ركوبة له.
فوقف صاحبُنا مندهشًا أشدَّ الاندهاش، وخاطرُه يختلج: من هؤلاء؟ وما هذه الخصومة التي تقارنت مع وقت السَّحر؟ فصلح له الحال، وأخذ يتابعهم ويتمتَّع بما يقدِّمانه من عروضٍ قتاليَّة. فصاح صاحبُ العمامة السوداء قائلًا: ويحك! هَهْهَ لا تستوي الكفَّة، فإنك تنتفع بركوبتك في مقارعتك إيَّاي! ولكن سأثبت كما ثبت عمرو بن معد يكرب حين قال:
«فَجاشَتْ إِلَيَّ النَّفسُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ
وَرُدَّتْ إِلى مَكْرُوهِها فَاسْتَقَرَّتِ»
فهوى ذو العمامة البيضاء من ركوبته قائلًا: لا أبا لك! ثم طعن حصانَه بردينيه، فخرَّ الحصانُ مصرعًا. فقال صاحبُ العمامة السوداء: الآن تساوت الرؤوس، وإن كنتُ أطيبَ رأسًا وساسًا منك. فردَّ صاحبُ العمامة البيضاء يردِّد قولَ ابن المعطَّل:
«تَلَقَّ ذُبابَ السَّيفِ عنِّي، فإنَّني
غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لستُ بشاعِرِ»
فأخذا يتقارعان؛ تارةً يغلب ذاك، وتارةً ذاك يغلبُ، وتارةً يستلقيان فاترين منهكين، وتارةً يعاودان الكرَّة بعد الكرَّة. وكان صاحبُنا يميل ميلًا عظيمًا إلى ذي العمامة البيضاء، يضرب بكفِّه حين يضرب صاحبُه قريعه، ويومئ ويوجِّه بيديه، وكأنَّه يريد أن يُرِيَ صاحب العمامة البيضاء من أين يضرب؟ وكيف يضرب؟
وكأنَّما أمنيَّته تحقَّقت في تشجيعه لصاحبِه، فقد وثب صاحبُ العمامة البيضاء على قريعه وثبةً كادت أن تنهي مقارعتَهما، فأصاب منكبه الأيمن، فخرَّ ساقطًا وخرَّ معه رمحه بعيدًا، فدنا منه صاحبُ العمامة البيضاء ليجهز عليه، فرفس صاحبُ العمامة السوداء رمح قريعه فجاور الرمح الرمح الآخر، فلم يبقَ لهما إلا يداهما.
فقال صاحبُ العمامة البيضاء: شُلَّت يدُ من لم يبلغ مُناه. فأراد خنقَه، فتعاركا، وأخذ الثرى نصيبًا من العراك؛ إذ إنهما تمرَّغا به، ففترا، وألقى صاحبُ العمامة السوداء صاحبَه بعيدًا، وظلَّا متمدِّدين، ترى الرجلَ منهما يصهل صهلًا، بل إنك ترى بناتِ الثرى تتطاير من نهيجهما وهما متمدِّدان.
وصاحبُنا يترقَّب خفيةً، فأعادا الكرَّة، ثم فعلا ما فعلاه آنفًا، لا نصرَ ولا غَلَب! فعادا إلى الاستلقاء، فاستلقى صاحبُ العمامة السوداء، وهمَّ صاحبُ العمامة البيضاء بالاستلقاء، وكانت يداه ترتعشان، وكأنهما تستحيان أن تحملا الرمحَ من شدَّةِ كسلهما وفتورهما، فتعثَّر بمعثورٍ من حجر، وارتكز الرمحُ بالأرض، وانتصب نحوه آخذًا أحشاءَه قبلةً، فقرَّ بطنَه قرًّا، وضبَّ على رمحه صريعًا!
وكان صاحبُ العمامة السوداء يسمع الحدثَ وهو مستلقٍ لا يراه، فقام يخاطبه قائلًا: لم أكن أعلم أنك جليدٌ صليبٌ ذو بأسٍ شديد! تغشى الوغى سبَّاقٌ للمنية! ولكن سأعجِّل لك بها هذه المرَّة. فصلب طولَه، واستعدَّ للكرِّ مرَّةً أخرى، فالتفت، فإذا بصاحب العمامة البيضاء ناقعًا بدمه، كاللحمة على السفود، فجثا على ركبتيه خوفًا ورهبةً.
فأخذ يتلفَّت من حوله، فلا يرى إلا الخلاء؛ فالسفح خالٍ، يمتدُّ نظرك لو أردت ليومين من الخلاء المطلق. وكان صاحبُنا مندهشًا مذعورًا يبلع ريقَه، ووجنتاه وجبينُه يهطل منهما العرق. فأخذ يترقَّب صاحبَ العمامة السوداء وما الذي سيفعله بعد هذا الحدث الجلل.
فرآه ذاهبًا إلى صاحبِه الصريع، فجثا عنده، وأخذ عمامتَه البيضاء ودسَّها معه، فحمل صاحبَه الصريع وألقاه على جنبِه الأيمن. فالتفت وكأنَّه يتحسَّس الأصوات، ثم ولَّى جاريًا. فإذا بالرهط الباحثين -وأظنهم يبحثون عن المتصارعين المفقودين- قد كشفوا ما يبحثون عنه، فدنوا، وكلما دنوا رأوا كرَّ المتصارعين وفرَّهما مرسومًا في الثرى، إلى أن استهدَوا بجثَّة صاحب العمامة البيضاء، وقربوا متوجِّسين راقبين متشوِّقين لرؤية المقتول منهم، فصاح المنادي قائلًا: قُتل شيبون! قُتل شيبون.. قُتل شيبون!
وقع صاحبُنا مغشيًّا عليه حين سمع المنادي يقول: «قُتل شيبون»؛ فهو لم يكن يعلم أنَّ صاحبَ العمامة البيضاء أبوه، ولم يكن يعلم أنَّ من يقارع أباه هو غريمُه الذي قتله ثائرًا عن ابيه بالأمس، والذي اضطرَّه إلى الهروب من قوم المقتولِ.
ولكنَّه عَلِمَ أنَّ من قتله بالأمس الآن مظلومٌ، وإن كان قد جاز له الأمر واستحسنَه، وكتمه حين ادَّعى أنَّه قتل شيبون؛ لئلا يعايره القوم بأنَّه نافر، وقارع شيبون لساعاتٍ طوال، ولم يقدر على شيبون إلا نفسُه، فقتلتْه هي.
وهو أيضًا يعلم أنَّ من قتله له بنياتٌ يتامى الأم أولًا، والأب بالأمس؛ فمن يراعيهنَّ ويحسن حالهنَّ وهنَّ لا أبَ ولا أمَّ لهن؟ ولا تتمثَّل حالتُهنَّ إلا بأبيات المعتمد بن عباد:
«تَرى بَناتَكَ في الأَطمارِ جائِعَةً
يَغزِلنَ لِلنّاسِ ما يَملِكنَ قَطميرًا
يَطأنَ في الطينِ وَالأَقدامُ حافيَةٌ
كَأَنَّها لَم تَطأ مِسكًا وَكافورًا
مَن باتَ بَعدَكَ في مُلكٍ يُسرُّ بِهِ
فَإِنَّما باتَ بِالأَحلامِ مَغرورًا»
عَلِق صاحبُنا في دائرةٍ مجتمعيَّة، بين الكذب وحبِّ السؤدد والمجد، وبين شحذ الهمَّة والتحريض دون تأكُّد، وبين تخليف الفقر لبنياتٍ دون تعمُّد. فهذا الحلمُ الذي حلمه بعد نومه كشف له ستارًا مجتمعيًّا لم يكن يعلمُه من قبل.
فقبِّلي يا أحلام، لعلَّنا نكشف هذا الستار.


