اعلمي يا صغيرتي أنني أتغنّى بكِ حين يطرق أحدهم باب الخِلْفة، وأذود عنكِ حين يذود أحدهم عن (الذكور) بوأد رأيي، حين أدعو الله أن تكون أولَ خِلْفةٍ لي فتاةً، ممجّدين الذكر بأنه أعزُّ البني، وأنفعهم للأب. هم قصارُ عقولٍ، جاهليون، لا يعلمون أن الحنان ومرادفاته ينبثق مع قدومكِ إلى الحياة، فحين تولد فتاةٌ يولد معها (الحنان)، ويتراقص بأرجاء المنزل وفَسحهِ. هم لا يدركون أنكِ مضادُّ آلام الأب من أنياب الدنيا حين تنقضُّ عليه، وهم لا يعلمون أنكِ ألوان المنزل وتهاويله، واسألْ من خلا منزله من خِلْفة البنات كيف يصير باهتًا رماديًا. هم لا يعلمون، ولا أريدهم أن يعلموا، يكفي أن أباكِ يعلم ميزانكِ وقدركِ عنده.
اشتقتُ أن تلفحني سموم أغسطس المتلظية، وبإزائي كوبُ شايٍ لا يقل تلظّيًا عن الشمس، جارتي، عند انتظاري لكِ متلهفًا لأرى بسمتكِ وعدوَكِ إليَّ مقبلةً نحوي، كأنكِ حوريةً من حوريات الجنة، عند انتهائكِ من المدرسة. وسأظل على ذلك فرحًا، لا يؤذيني القمران، بردًا كان أو حرًّا، إلى أن تعتمدي على نفسكِ حين تكبرين، وتغدين وتسيرين وحدكِ.
وإني أشتاق إلى أول طهوٍ تطهينه، وسأتقبله على مضضٍ، وإن كان سمًّا زعافًا لا ينقبل. وأشتاق إلى نفوذكِ الواسع عند عناد رأسي الثخين في مسألةٍ ما، فيستعين دلالُكِ عندي، ويرقّق قلبي الجافي، ويفجّر فيه ينابيع الدلال، فأقبل فورًا ما تريدين. وأشتاق إلى أن تكبري، وأراكِ دكتورةً أو مهندسةً أو في أي تخصصٍ يعلو به رأسي - وإن كان عاليًا في الأصل بكِ، من غير دراسةٍ أو غيرها -.
ثم إنني هنا لا أدري هل أشتاق أم أضجر حين يأخذكِ مني غريبٌ يدّعي أنه سيتزوجكِ! كيف يأخذ مهجة القلب؟ كيف يأخذ من في الفؤاد مقطانه؟ فلسان حالي هنا، وقلّة حيلتي، يتصوران في بيتين ذكرهما الشاعر الشعبي [وصل العطياني] حين قال عن ابنته:
«يا ترف لو ما كتاب الله حداني
والكتاب أعرف حلاله من حرامه
لمنع الخطاب من قاصي وداني
مثل منع الزير سالم لليمامة»
ثم عند الرضا بما فصّل ربي من تشريع، فإنني أشتاق إلى أن أرى نسخًا منكِ، ومن حنانكِ، ومن دلالكِ، ومن كل شيءٍ فيكِ، في أولادكِ.
ثم أنت ! نعم أنت ! أَتتصور أنني لا أحبك حين قرأتَ ما قرأتَ عن أختك؟ حتمًا لن تجد هذا الميل عندي، فكلكم سواسيةٌ كالصراط المستقيم، ولن تجد مني أيَّ ضيزٍ أو تجانف. وهذا ليس وعدًا؛ لأن الوعد يقتضي بالضرورة أنني كنتُ جائرًا ميّالًا لهذا دون ذاك، بل هو حقيقةٌ وعقيدة!
لن تقوم قائمةٌ في هذا المنزل إلا بك ! أنت أساسُ بنيان العائلة وقوامها، ومنافرها عند النفير، ومصارعها عند البلاء، ومفاخرها عند المفاخرة ! ثم إنني أشتاق الشوق كله إلى أن أحفّظك قصائد الفحول من العرب، لتعوض عدامة حفظي، وإني أشتاق إلى أن تتعلم القرآن بتجويده وتدبره. وإني أشتاق إلى أن أراك بين الجموع الغفيرة في يوم الأب بالمدرسة، تبتسم لي، وأبتسم لك، مشيرًا نحوي، تهمس لأصدقائك قائلًا لهم: هذا أبي. وإني أشتاق إلى تشجيعك حين تدعوني إلى حضور مباراةٍ تلعبها مع أصدقائك، هاتفًا بأعلى صوتٍ تتحمله أحبالي بنصرك، نصرك الله. وإنني أشتاق، كما اشتقتُ إلى أختك من قبلك، إلى أن تحصد لي الشهادات العليا بمراتبها.
ثم اعلما أنتما الاثنان أنكما ستلاقيان ما لاقاه جنود كسرى أو ملوك بابلٍ ومصر من النعيم الذي يقدمونه لملوكهم؛ فأريد أحدكما أن يروّح عليَّ بمروحة، والآخر يلقمني الطعام، ومنكما من يدلّك قدميَّ، ومنكما من يحضر لي الشاي، ومنكما من يقرأ عني، وإن لزم، يكتب أيضًا ما أمليه عليه.. فلا راحةَ ولا هناءَ إلا بسلطان.



ممكن أسم الفنان؟ صاحب اللوحة الي بالمقالة
ما شاء الله سردك وانتقاء كلماتك مميز
وش تقرأ من كتب او روايات؟