لديَّ أمنيةٌ لو قرأها القارئ لاستخفَّ بعقلي، ولكن لن أبالي، وهي أن أتهندم بلباسٍ دون أكمام يُسمّى (الكِت)، وأجلس في صالون الفنانة العظيمة المهجورة [تيريز حوّاط] مع ابن أخيها وابنها الذي يعزف لها، وأقرأ تاريخها من تجاعيدها التي ملأت يديها ووجهها وكل جسدها، وأرى ألوان الجلاليب التي تلبسها وتهاويلها، ثم تغني لنا مختاراتٍ من الفن الأصيل. وبعد ذلك نتغدّى سويًّا: كبّةً نيّة وكبدةً نيّة، وأشاركهم شربَ ماءٍ أو عصيرٍ عوضًا عن (العرق اللبناني) المفضّل لديهم مع اللحمة النيّة. ثم نختتم هذه الجلسة بأغنية [أروح لمين؟] للست أم كلثوم، تؤديها الفنانة المهجورة لنا! فإن أردت أن تقعد معنا يا قارئي، فاكتب في تطبيق تيك توك [تيريز حوّاط] واستمتع.
إنني أشفق كل الإشفاق على شاعرٍ لم يُؤتَ نصيبًا من الشهرة والإرادة، وهذا الإشفاقُ مُؤْتاه فرضُ الشاعر الخنذيذ نفسه على العالم الشعري أجمعه، بجزالةِ لفظٍ، وسباكةٍ لغوية، ومعانٍ فريدة، وعذوبةٍ خلّاقة. فاويلي عنك يا [أبا فراس الحمداني]. ثم إنني أكره سبب خفوت اسمه، وهو أنه والمتنبي كانا في زمنٍ واحد، وهذا عذرٌ واهٍ؛ لأننا الآن نقرأ التاريخ لا نعيشه، فالقراءة محايدة، والعيش عاطفي.
ولك هذه الأبيات من قصيدته الشهيرة [أراك عصي الدمع]:
«سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم
وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ
فَإِن عِشتُ فَالطَعنُ الَّذي يَعرِفونَهُ
وَتِلكَ القَنا وَالبيضُ وَالضُمَّرُ الشُقرُ
وَإِن مُتُّ فَالإِنسانُ لا بُدَّ مَيِّتٌ
وَإِن طالَتِ الأَيّامُ، وَاِنفَسَحَ العُمرُ
وَنَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِندَنا
لَنا الصَدرُ دونَ العالَمينَ أَوِ القَبرُ
تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا
وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ
أَعَزُّ بَني الدُنيا وَأَعلى ذَوي العُلا
وَأَكرَمُ مَن فَوقَ التُرابِ وَلا فَخرُ»
إن كان للطمأنينة أحبالُ صوتٍ، فهي أحبالُ هذين القارئين: [المنشاوي وعلي جابر]. فإن استعصت عليك لغة القرآن وبلاغته، فتعلّمه منهما، فأكثر السماع لهما، وحاكِهما، وأعدك بفصاحةٍ وتدبرٍ لمعاني القرآن. وعلى سيرة القرّاء، إنني متطرفٌ في حب قراءة القرآن برواية الدوري عن الكسائي.
من يتتبع حياة [كامل الشناوي] - وهو شاعرٌ وكاتبٌ وصحافيٌّ ساخر - سيجد أنه حلّل الحياة تحليلًا؛ بمعنى أنه عاشها طولًا وعرضًا، فحياته مليئةٌ بالحياة، ولم أجد مثله قط بتشاكيل يومه، وغرائب مواضيعه الحادثة له، ووصوله العجيب إلى شخصياتٍ أعجب، وبقبولِ كل من احتكّ به. فإنني أنصح بكتابه [يوميات كامل الشناوي].
من فوائد كتاب لسان العرب:
- شحشر، والشَّحشارُ: الطويل.
- شحر. شَحَرَ فاهُ شحرًا: أي فتحه.
- شحط. الشَّحطُ: البُعدُ.
- صطلح، والصَّلطحةُ: العريضة من النساء.
- صلغد، والصِّلغد من الرجال: اللئيم.
- صنطل، والمُصنطلُ: الذي يمشي ويطأطئ رأسه.
- طلخم. اطلخمَّ الليلُ والسحابُ: أظلما وتراكما.
عن رواية ( أولاد حارتنا )
الرواية موجعةٌ أشد الوجع. هدفها علماني، وتدعم أحزابًا سياسية كان يعتقدها نجيب محفوظ آنذاك، وهي مغلّفةٌ تغليفًا إنسانيًّا. جرّد نجيب محفوظ رواياتِ القرآن الكريم والكتب السماوية برمزية، ولكنها مفهومة وواضحة وجلية بأجراسها الموسيقية لكل اسم من شخصياته. فعلى سبيل المثال:
أدهم = آدم، عليه السلام.
جبلاوي = الله عز وجل - حاشاه - ودلالته من العلو، فالجبل عالٍ.
إدريس = إبليس.
قاسم = النبي محمد، عليه السلام، وهو أبو القاسم.
عرفة = العلم.
أميمة = حواء، عليها السلام.
قدري وهمام = هابيل وقابيل، عليهما السلام.
جبل = موسى، عليه السلام، ودلالته بموسى الجبل الذي رأى فيه ربه.
رفاعة = عيسى، عليه السلام.
في بداية الرواية:
طُرد (أدهم) من البيت الكبير، وهو بيت (جبلاوي)، والذي أغواه وتسبب بطرده هو (إدريس) أخوه.
وحين شرحت آنفًا أن الرواية (رمزية)، كنت أعني تقديمها كفنٍّ رمزي، وهذا ما يوجب عليَّ نقله؛ لأنني أحمل أمانةً علمية. ولكنها، في نظري، أقرب إلى أنها روايةٌ أراد منها نجيب مضاهاة القرآن وقصصه، أو أراد منها نحل قصص القرآن على بشرٍ طبيعيين؛ لخدمة أفكاره السياسية العلمانية. والحقيقة أن من تتبع حياة محفوظ سيستغرب أشد الاستغراب من هذه الرواية، ومن بثّ أفكارها. فكلنا نعلم أن نجيب له توجهاتٌ سياسية، وله ما يقارب ثلاثين عامًا يكتب ويذود عن أفكاره ومعتقداته، ولكن بنوع دفاعٍ طبيعيٍّ عقلاني لا يتجاوز حدودًا دينية كهذه، وحتى لو تجاوز حدود الدين، فإنه يقف عند الذات الإلهية. إلا في هذه الرواية، فقد بثّ جميع ما يملك من جرأةٍ فيها.
والأدهى والأمر أن (قاسم) المعنيَّ فيه رسولُنا الكريم في رواية محفوظ ما هو إلا سكّيرٌ نكّيرٌ يرغب النساء.
و(رفاعة)، والمعنيُّ فيه عيسى عليه السلام، في روايته كان مخبولًا لا عقل له.
و(جبل)، والمعنيُّ فيه موسى عليه السلام، كان كاهنًا يُحسن تربية الأفاعي.
وأدعوكم أن تقرؤوها بهذا الوعي، فستتأكدون تأكدًا تامًّا من أنها منزوعةٌ انتزاعًا رهيبًا من القرآن وقصصه. وقد كتب الأديب جورج طرابيشي كتابًا رائعًا يُبرز فيه رمزيات نجيب محفوظ في رواياته، وخير ما ابتدأ به رواية (أولاد حارتنا). وعنوان الكتاب: (الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية)، فأنصحكم به للاستزادة من هذا الموضوع.



أبو فراس الحمداني الشاعر المفضل وهذي المفضلة عندي بعد (أقول وقد ناحت بقربي حمامة)
لَمّا رَأَت أَثَرَ السَنانِ بِخَدِّهِ
ظَلَّت تُقابِلُهُ بِوَجهٍ عابِسِ
خَلَفَ السِنانُ بِهِ مَواقِعَ لَثمِها
بِئسَ الخِلافَةُ لِلمُحِبِّ البائِسِ
رائع 👏🏻