أتمشّى سائحًا مرحًا، رافعًا رأسي نحو منازل «جدّة التاريخية»، متعجبًا من هذا الإرث العظيم وهذه الثقافة المغايرة، التي - بنظري - انبثقت من سير المنهج الثقافي لمدن السعودية الباقية. والأغاني تصدح طربًا وغزلًا بجدة، والسجاجيد والأقمشة ترسم ألوان البلد بقوسها القزحي، والأطفال يلعبون لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، والباعة يغنون كما تغني الطيور؛ كلٌّ يقول: «هنا يا سيدي، هنا يا سيدي».
ثم دخلتُ زقاقًا، كما يسمّيه أهل جدة، وأكملت سيري وتعجبي، فإذا بصوت خفيّ الاتجاه يقول: «يا واد، اشبك يا واد!». فالتفتُّ يمينًا، فإذا بجدار أصم لا شبابيك فيه، والتفتُّ يسارًا، فإذا بجدارٍ ثانٍ بمواصفات أخيه؛ لا شيء سوى تجاعيد الزمان عليهما. فرفعت رأسي نحو السماء وذروة المباني، فلم أجد شيئًا، فما بقي لي إلا أن أدنو برأسي. فدنوت، فإذا بقطٍّ قد دهسته.
فرفعت قدمي حياءً ورحمةً، ودنوت منه أربّت عليه؛ لكي أدحر الملامة ولواعج الضمير. فإذا به يفرّ من بين يدي، وينطق قائلًا: «ما بك؟! خلقك ربك بهذا الطول وهذه الضخامة، وخلقتَ نفسك بحماقتك! لا تستحق هذه الخِلقة. فيا ليتك قطٌّ ترى ما أرى، وتسمع ما أسمع، وتشيب كما شبتُ، ثم لا تلبث إلا أن تقنع».
وأخذتُ برهةً من الوقت أعضّ أصابعي، ظانًّا أنني أحلم، وأبلع ريقي مرتاعًا، وألتفتُ أريد بشرًا يرون ما أرى؛ فهل هم يدركون أن قططهم تتكلم وأنا السائح لا أعلم؟ أم أن ما حصل لي شذوذٌ وهبته لي الحياة ؟
بادر القطُّ بالحديث قائلًا: «ما بك ؟ ألم تر قطًّا يتكلم من قبل؟»
فأومأت برأسي قاصدًا: لا. وسكت قليلًا، ينظف ذيله بلسانه من قذارات البشر، ثم نظر إليّ قائلًا: «هذا الزقاق مهجور، لا يأتيه السياح، وهو لطبقة مملقة من القطط؛ فانظر إلى حالهم الكئيب. وبالطبع أنك مررت بجانب مطاعم السمك، مثل: “باعشن” و“البصلي”؛ هناك يا بشري، تسكن الطبقة الميسورة الحال. فهم يقتاتون على فضلاتكم من أكل وشرب، وهم في نعيمٍ بما نحن فيه».
فقلت له: «ولِمَ لا تذهب إلى ذاك الحي وتنعم معهم؟»
فقال في غضب: «ألم أنهك حين دهستني، وقلت لك: يا ليتك قطٌّ لكي تعرف الحق من الباطل؟ أنت لا تعلم ما نقاسيه من وجع!»
فقلت له: «حدّثني، حدّثني!»
ثم سكت برهةً وقال: «نحن، يا معشر القطط، ننقسم إلى أقسام عديدة. قسمٌ نحن فيه الآن، وهؤلاء مغضوبٌ عليهم؛ ليس لنا شغل ولا لعب ولا طعام ولا شراب. فالشغل لا يأتينا لأننا لسنا جميلين؛ ألواننا باهتة، وأشكالنا دميمة، وفراؤنا متجعّدة. وليس ذلك خطأنا، إنما هي جينات جنى بها أجدادنا علينا.
وإن أردنا الأنس واللعب معكم، نكصتم نكوصًا، خوفًا من الأمراض والبلاء. فلم يلمسني بشرٌ قط منذ زمن، إلا بإلقاء الأحذية نحوي أذًى وشقاوة. وعلى منهج اللعب والجمال يسير جوعنا؛ إذ إن الأسباب تصب في نهر ما قلت آنفًا، فلا يطعموننا بسبب أشكالنا، ثم إن هذا الإملاق يدفعنا إلى الدمامة ميلًا لا شبرًا. فكيف، بناءً على هذا السير، نأكل؟ نحن ندور في مضمار لا ينتهي، فلا مخرج لنا منه».
فقلت له: «وكيف تأكلون؟!»
قال: «نعتمد على القاذورات وسلال النفايات، لكنها لا تنجح؛ لأن هناك أمرًا يقضي بنظافة المكان، ويستدعي تنظيف القمامة فورًا، دون هوادة أو كسل. فأحيانًا لا نلحق القمّام، وأحيانًا نسبقه، ثم حين نسبقه وننزل إلى السلة لا نجد إلا أكياس علامات تجارية تفرحنا أشكالها، و حين نفتحها نجدها فارغة. فلا يبقى لنا إلا أن نشم الأكياس لتشبع نفوسنا، ونلحس البقية الباقية من الطعام المندثر.
أما من فوقنا بطبقة، فهم الذين رأيتهم أنت، وحكيتُ عنهم آنفًا؛ أشكالهم حسنة، وخِلقتهم جيدة، وفراؤهم معشّبة. فلهم من الأكل والشرب والملاعبة والأُنس ما يسعدهم ويبقيهم على قيد الحياة؛ من ناحيةٍ فيزيائية، ومن ناحية أخرى روحية. يتضجعون ويتضاجعون عند الأسوق وعند العم «بصبص لي » و العم « باعبط»، ويأكلون ما يبقيه البشر من فضلات، ويشربون ما تسكبه السماء، أو ما يسكبه من وطئت أقدامهم الأرض منكم.
فضحكتُ بقهقهة، وقلت: أليست الأسماء التي ذكرتها أسماءَ شخصياتٍ خيالية، أردت من ايرادها العنصرية المقيتة ؟ فليس هنالك وجودٍ لأسماءٍ كهذه.
قال: «ذهينٌ يا بشري! حياتنا قائمة على العنصرية والطبقية؛ فقطط نجدٍ تزدري قطط جازان، وقطط الغربية تزدري قطط نجد، والشمالُ يزدري الجنوبَ، والجنوبُ يزدري الشمال. فلا تفطن مرةً أخرى إلى هذه التفوهات، فهي مجبولةٌ في بني القطط».
فابتسمت وقلت له : أكمل .. أكمل.
قال : « وهم ينعمون أيضًا بملاعبة السياح من فتيات وفتيان، ومن يدري؟ لعل أحد السياح الأغنياء تزهق روحه حين تُعجب ابنته الصغيرة بأحدهم، فتنتشله من الأسواق إلى طبقة أعلى، وهي ما سأحكي عنها لاحقًا. ولهم، غير هذا المنفذ، منفذٌ آخر؛ إذ إن القط منهم ينعم بالقليل الذي يأتيه ويؤويه ويفرحه، إلى أن تسوطه السنين وهو على القليل، ثم يفرّج القدر عنه بصدفةٍ أو بسعيٍ سعاه، فينقله من القليل إلى الكثير.
ثم إلى الكثير نتحدث؛ فهم في أعلى الدرجات وأعلى النعيم، وأظنهم لا يسعون إلى الجنة بطريق، ليس كفرًا، إنما حمقًا؛ ظانّين أن ما يعيشونه من لذة ورغادة هو بذاته الجنة الموعودة. هم في بيوت، على أرائك وزرابي مبثوثة، لهم أسماء ولأهاليهم تأريخ، وبيوتهم وسط قصور تنقصف رقبة الرائي حين يلمحها.
لهم طعام يخصّهم، وليس أيَّ طعام، ولهم شرابٌ نقي خالٍ من التلوث، وليس أيَّ شراب، ولهم سرير خاص يسعنا نحن جميعًا. نظيفون جميلون، ولهم رحلات أسبوعية إلى متاجر مخصصة بالنظافة؛ يقلّمون أظافرهم، ويشترون ما يرغبون من لباس وألعاب وطعام، علاوة على الطعام الدائب المتوافر في منازلهم، داخل قصورهم.
آباؤهم فسده، ولم يصلوا إلا بالفساد، وهم عبيدٌ رغم ما ينعمون به؛ فهم ليسوا أعلى طبقاتنا، بل هم في ظلال أعلى طبقة لدينا؛ إذ إنهم يخدمونهم. وأعلاهم ليسوا فاسدين، إنما هم متكئون على إرث أجدادهم الساعين. ومن في ظلالهم هم الفاسدون، وهم من يفتعلون فينا الأفاعيل؛ يفتعلون ولا يفعلون، ولا ينفعون إلا بعضهم، أو من بزلفاهم. فلا للأقل منهم ولا لنا نحن المملقين حظٌّ ولا نصيب من هذه الفطيرة؛ نلهف شهوةً وطمعًا ورغبةً فيما يقسمون منها، وما الحياة سوى هذه الفطيرة اللعينة!»
ثم صمت قليلًا وتنهد، فقلت له: «هوِّن عليك، هوِّن عليك، سيرزقك ربك بما تريد، وأنا سأنهض كالنواهض وأجلب لكم طعامًا يكفيكم جميعًا».
فسمعت صوتًا خلفي يقول: «مدير! أنت مجنون؟»
فالتفتُّ إلى القط، فإذا به مختفٍ، وكأن الأرض ابتلعته. وفهمت بعد ذلك سر هذا الهروب؛ إذ إن الذي سخر من أنني أكلم القط بوعي بشري هو القمّام، والقط لم يهرب، بل كان يعدو لكي يلحق القمامة ويأكل ما يتسنى له من طعامٍ قبل مجيء القمّام.
لم يثق بي، ولم يعد يثق بأحد. لم يطمع، ولم يغترّ بما قلت من وعودٍ تفيد بجلبي طعامًا وشرابًا لهم. فهو يعيش في قلق الاستمرار على قيد الحياة، ولن يفوّت فرصةً ممكنة بين يديه، وفرّط في فرصةٍ من رجل لا يعلم: أوَعدُهُ صادقٌ أم كذوب ؟ !


