إلى زوجتي العزيزة المجهولة،
اعلمي أنني قادرٌ على أن أتزوجكِ الآن، ولكنني سأطلب هذه الزيجة من طريق المشقة واللَّغَب، وإن كنتُ قادرًا على ذلك. ولهذا سأغيب عنكِ مدةً لا أعلمها، ولكنني أعلم هدفي فيها كلَّ العلم؛ إنني أريد لكِ حياةً رغيدةً ناعمةً، وإن طال تحقيق مرادي فحتماً ستنتظرين. فإنني أعدو كالضابحات طلبًا للرزق والاستزادة منه بشتى الطرق والمجالات، لكي أوفِّر هذه الحياة الرغيدة التي ستأتي بمشيئة الله. وإن أتت، ومتعنا الله بها واستأنسنا، ثم سلبها منا لحكمةٍ يعلمها هو - جل جلاله - فاصبري، فإن الله مع الصابرين. وإن لم تصبري فسأخيِّركِ كما خيَّر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز زوجته فاطمة - وهي ابنةُ ملكٍ، وأختُ ملوكٍ، وزوجةُ ملكٍ -: إني أخيِّركِ بين أمرين: إن أردتِ الذهب والفضة والحُلِي، أو إن أردتِ عمر بن عبد العزيز.
واعلمي أيضًا أنني لستُ بالفتى المنشود؛ فلستُ بالطويل ولا بالقصير، ولستُ مفتول العضلات ولا هزيلها، ولستُ جميلًا أو أقارب الجمال، فإني رجلٌ كل ما فيَّ طبيعي، لا أسمق في الجمال، ولا أدنو إلى الدمامة.. إلا العقل! فإنه الشيء الوحيد الذي أراهن عليه عندي.
دعينا منِّي الآن، وعلينا بكِ، فأنتِ التي يستحق الحديثُ عنها. اعلمي أن لا مانع لديَّ من أنكِ لا تجيدين الطهو، أو تدابير البيت ولوازمه، أو أيَّ نشاطٍ عمليٍّ من المفترض أن يتوافر في الزوجة. ولكن المانع لدي، والكارثة الكبرى، هو العقل، أو في روايةٍ أخرى: الوعي / النضج، سَمِّيه ما شئتِ؛ لأن التدابير المنزلية، كالطهو والغسل والتنظيف، هيِّنةٌ ليِّنةٌ، نتعلمها سويًّا؛ لأنها قابلةٌ للتعليم. فأنا فاشلٌ في الطهو، وفاشلٌ في كل تدبيرٍ منزلي، بل إنني أقترف الكوارث حين أطبخ أو أدبِّر المنزل، لذلك لا خوف عليكِ، نتعلم سويًّا. ولكن الذي لا يقبل التعليم هو الوعي / النضج؛ فهذا ثابتٌ لا يتغير، فلا حيلة لي في أن أغيره أو تغيِّريه.
ومن فسد عقله فسدت معه مكارم الأخلاق، وأنا من غلوِّي بمكارم الأخلاق، لو تسنَّى لي أن أتحنث لأصحابها لفعلت؛ لأنها ديدن الأنبياء والرسل، وديدن الإنسان السوي. فإن حضر العقل جاءت معه هذه المكارم، وإن نكص وتخلَّف نبذته المكارم، وأصبح المرء منسلخًا من إنسانيته. فإن رسولنا الكريم يقول: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق». وقد كُتبت مكارم الأخلاق على الكعبة الشريفة، وأوصى بها النبي، وهي عشر صفات: «الصدق، الوفاء، الأمانة، مداراة الناس، مكافأة الصنائع، إكرام الضيف، حسن الجوار، إغاثة الملهوف، إجارة المستجير، الشجاعة».
أنا لا أريدكِ كالبتول مريم، إنما أريدكِ أن تأخذي من كل صفةٍ خصلةً؛ فإن هذه الخصلة هي المنجية للإنسان من لوثة العقل ونكوص الأخلاق، وإن كانت الخصلة نكرة. واعلمي أن ما جرى لعدم المانع في التدابير المنزلية سيجري على خلقة الوجه الذي خلقه الله لكِ؛ فإنه لا يهمني إطلاقًا، وإن كانت تنطبق عليها، كما ينطبق على التدابير، من ناحية التغيير، ففي زماننا الحالي يمكنكِ استبدال جسدكِ كله، لا وجهكِ. وسبب عدم اكتراثي بهذا الأمر أنني، حين أحب كائنًا من كان، لا أحبه من طريق الشكليات، بل من طريق ما قلته آنفًا من مكارم الأخلاق.
حقيقةً، إنني أشتاق لأن أتجول معكِ، وأضرب في هذه الدنيا الفسيحة معكِ. مللت، ويسبق المللَ ضجرٌ، من أنني أغامر وحدي، وأستكشف وحدي، وآكل وحدي، وحتى أفكر وحدي. وكل طريق سفرٍ، بريًّا كان أو جويًّا، أضجر فيه ضجرًا عجيبًا، ويصيبني غثاءٌ يطفو على كبدي، ولوعةٌ بأنكِ لستِ معي. وتزداد حالتي سوءًا إذا رأيتُ صديقي بجواري فاغرًا فاه، وأتمنى لو أن معي عصًا سحريةً أبدل بها هذا المسخ بكِ يا ملاكي. مللت من استكشاف المتاحف والانبهار بها، أود أن أنبهر معكِ. مللت من وطء المكتبات وتصفح الكتب، أود أن أتصفحها معكِ. مللت من محادثة الغرباء وثرثرتي لهم، أود أن أثرثر لكِ. مللت من أبسط الأشياء، مللت من المشي وحدي، أود أن أمشي معكِ.. مللت من كل شيء، لكنني أود كل شيء معكِ.
أريد أن أدفع بخزائن نفسي، حزينِها ومفرحِها، إليكِ؛ فإنني منذ خُلقت لم أدفعها إلى أحد، حتى والديَّ، لئلا أُكدِّرهم أو أُحزنهم، وهذا في المحزن. أما المفرح، فهم لا يفهمون ولا يتفهمون طريق سعادتي، فلا حاجة لي إلى إخبارهم بما يسعدني. فلن يتحمل هذه النفس، من لواعجها وبهجتها، إلا أنتِ.



" وأتمنى لو أن معي عصًا سحريةً أبدل بها هذا المسخ بكِ يا ملاكي."
احلى سطر 😭✨
رهانك على العقل ومكارم الأخلاق كدستور حياة هو الرهان الأكثر جاذبية وأماناً لأي شراكة حقيقية أعجبتني جداً واقعيتك في تجاوز أخطاء المطبخ والتدابير المنزلية مقابل الحفاظ على 'النضج والوعي' هذا النص لا يخاطب امرأة بعينها، بل يُعطي درساً في كيف يختار الرجل الواعي رفيقة روحه بعيداً عن قشور المظاهر ، أتمنى أن يرزقك الله بالروح الواعية التي تناسب فكرك وتشاركك رحلتك بكل حب.