القرآن الكريم مليء بالوعيد والترهيب، ولكن لم أرَ وعيدًا وترهيبًا كمثل وعيد الله - جل جلاله - للوليد بن المغيرة!
وهذه الرهبة لا تكمن في إلقائه في النار، فوعيد النار حينئذٍ كان شيئًا يسيرًا عند الكافرين؛ لأن فكرة النار والجنة لم تستقم مع عقولهم، فتلقاهم يسخرون منها. بل تكمن في انفراد الإله بالعبد، حين قال الله- عز وجل - لنبيه بعدما اتهم الوليد نبيَّه بالسحر:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11].
و”ذرني” تعني: دعني، أو خلِّ بيني وبين الأمر، أو اتركني.
هذا الاصطفاء الرباني بالعبد العاصي، بقول الرب لنبيه الذي ما صار نبيًّا إلا ليصلح ويدعو إلى الدين: “ذرني”، أي دعني معه، أو خلِّ بيني وبينه؛ ما هو إلا اصطفاء أشد من الوعيد نفسه، وأرعب من جهنم التي أُعدت للكافرين! .. فتأمل.
.
رأيتُ، ورأيتم، الصورة المنتشرة للشخص البدين المكور، الذي يرتدي ثيابًا داخلية، مدبرًا يتطلع إلى أبراج الرياض الشاهقة، ومكتوب عليها:
“المنظر الذي سترينه في أول يوم زواج”.
لقد لاقت هذه الصورة، التي رأيناها، رواجًا وضجة عجيبة، وغالب ما كُتب عنها نقد يشوبه ذم. اطلعتُ على الردود، واطلعتُ على المنطق الذي يتحدثون به، ثم إنه لم يستقم عندي إطلاقًا. وهذا لأنهم منقسمون إلى قسمين: الأول يخص اللباس، والثاني يخص بدانة الرجل وسوء هيئته.
أما الأول، فحلُّه بسيط: يلبس أجود أنواع اللباس الذي يتناسب مع الموقف أو الظروف.
وأما الثاني، فهو عذر غير إنساني؛ فكم منا سقيم ترى مجرى الدم في عروقه من نحوله؟ وكم منا لا ترى مجرى الدم فيه من زوائد شحمه ولحمه! هل يُمنع هؤلاء من الزواج؟ هل يُنبذون؟ أم يُعاملون كالبهائم، ويُطردون من جنة الإنس المزعومة؟
الإنسان رهين الثانويات، أو توافه الأمور، عالق بوحلها، ولن ينجو.
.
لم يسبق لدولة ما، أو منطقة ما، أن تبدلت أحوالها وظروفها خلال هذه السنين كلها كمثل العراق العظيمة. إلا أن شيئًا لم يتغير، أو يتبدل، أو يضمر مع مرور الزمن، وهو: الصوت الشجي.
فهم أهله وينبوعه، فما إن تسمع الرجل أو المرأة منهم يغني، إلا وجدت الأشجان تطوقك طوقًا، ولا سيما البحة التي في اعتقادي، أنها جين لديهم كلهم؛ فهي في غاية الشجن، وهي وسمتهم الغنائية.
.
مثير ومخيف هذا الصمت السرمدي من الشمس والقمر. تغرب الشمس وتشرق، ولا تتفوه بأي انفعال يتناسب مع خلقتها لنا. ويسري القمر علينا بنوره الوضاء، ولا يتفوه هو الآخر بأي انفعال يتناسب مع خلقته لنا.
مخيف؛ لأننا نصيح، ولا يسمعنا غيرنا، ولا يرد بفعل غيرنا أيضًا. نصيح من الجوع والغنى، ونصيح من السفك والرخاء، ونصيح من الموت والإحياء، ثم لا يسمعنا إلا نحن، والكوكبان اللذان محسوبان علينا صامتان!
ومثير؛ لأننا معزولون، لا يشاطرنا الدنيا سوانا.
.
حين خاض من خاض في حادثة الإفك، ونافق من نافق، كان هناك صحابي جليل خاض مع من خاضوا، وسلم مع من سلموا من النفاق، وهو شاعر الرسول، حسان بن ثابت. فقد غلبه ظنه، غفر الله له، وتحامل على صفوان بن المعطل، وهو الذي أنقذ حرم رسول الله، عائشة بنت أبي بكر، من الخلاء؛ إذ إنه وجدها وحيدة، فأخذها وألحقها بالقوم الذين تركوها، وعلى رأسهم رسول الله، صلوات الله عليه. فهجاه بأبيات شعرية، وحكى واستفاض في القول، فرد عليه صفوان ببيت صاعق، وضربه بالسيف حتى قال الناس إنه قتله. فيقول ابن المعطل:
«تلقَّ ذبابَ السيفِ عني، فإنني
غلامٌ إذا هوجيتُ لستُ بشاعرِ»
وهذا البيت من أعظم ما سمعت في الشجاعة؛ لأن الشجاع لا يهذر، بل يفعل.



نصوصٌ جميلة، باركَ الله فيك.
«مثير ومخيف هذا الصمت السرمدي من الشمس والقمر. تغرب الشمس وتشرق، ولا تتفوه بأي انفعال يتناسب مع خلقتها لنا. ويسري القمر علينا بنوره الوضاء، ولا يتفوه هو الآخر بأي انفعال يتناسب مع خلقته لنا.
مخيف؛ لأننا نصيح، ولا يسمعنا غيرنا، ولا يرد بفعل غيرنا أيضًا. نصيح من الجوع والغنى، ونصيح من السفك والرخاء، ونصيح من الموت والإحياء، ثم لا يسمعنا إلا نحن، والكوكبان اللذان محسوبان علينا صامتان!
ومثير؛ لأننا معزولون، لا يشاطرنا الدنيا سوانا.»
سُبحانَ الله، تذكرّتُ هذه الآياتِ الكريمة، يقولُ -عزَّ من قائِل-: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.