وجدتُ، وأنا أقلّب ديوان الشاعر «أبي القاسم الشابي»، منهجًا من الشعر قد انقطع عنّا ومنّا، فهو حامل رايته منذ انقلاع عصر الانحطاط العربي، وهو شعر «الحماسة». فديوانه مليءٌ بالقوة والصلابة والاعتزاز وشحذ العزائم، وهذا في المعنى. أما اللفظ، فأقرب إلى البساطة منه إلى الجزالة. وهذا طبيعي - وأعني سيرته - لأن لو تنسى لامرئٍ ما، ما لحق الشابي من ظروف، ولم يكتب الشعر الحماسي، وهو شاعر، فلا أم له، وخيّب الله حاله.
فكان يُكنّى بشاعر الحرية، إبّان الاستعمار الفرنسي لتونس وبعض الدول العربية. وقد لحظت من شعره أنه كثير التعرّض للقضاء والقدر، وهذا مفهوم بالنسبة لي: أولًا، للظروف المحيطة به؛ فهو وُلد وشبّ - ولم يشيب إذ إنه توفي وهو صغير - على الاستعمار الفرنسي الجائر. وثانيًا، لأن كل ما في الديوان من شعر كتبه وهو لم يتجاوز العشرين عامًا، أو أكثر بقليل؛ فقد توفي وهو ابن الخامسة والعشرين سنة. فالسن الصغيرة والظروف القاسية برهانٌ واضحٌ وجلي على ضجره من القضاء والقدر، فالنزعة الشبابية الطائشة سمحت له بأن يعترض ويناقش ويسأل ويتساءل من الله - عز وجل - وما قدّره عليه بقضائه وقدره. ونسأل الله له ولنا المغفرة.
ومن أجمل أبياته - رحمه الله -:
«ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر»
إنني ثقيلٌ متزمت، يحوطني الورع حوطًا، وما أن تصلني رسالةٌ تفيد بوصول كتبٍ جديدة، إلا أراني طفلًا ساذجًا، فتنخلع عباءة التزمت، وتتهندمني عباءة البراءة والسذاجة.. فيا لها من سحر! ويا له من مبدّل! ثم إنني لا أتذكر إطلاقًا متى آخر مرة انبهرت أو تعجبت، إلا من الكتب وحدها؛ فإني أتعجب بما فيها وما عليها، وكأنها عندي الروح من الجسد.
ذكر العلّامة الكبير «حمد الجاسر» موقفًا ظريفًا وقع له، والموقف من ناحية الفكرة (كليشيه) في وقتنا الحالي، ولكنه غير مستهلك وقتذاك. وهو أن العلّامة كان جالسًا مع أصدقاء له، ولاحظ أن هنالك كهلةً ذات هندامٍ حسنٍ راتب، وقورةً متزمتة، تكرر النظر إليهم بشكلٍ مفرطٍ وجلي، وبين يديها قلمٌ تخط به على ورق.
فنهضت بعد مدة، ونحت نحوهم، قاصدةً زميل العلّامة، وحيّته ومدت الورقة له، ورطنت بالفرنسية، فقال زميل العلّامة: «إنها رأت في ملامح وجهك ما دعاها إلى أن ترسم صورتك، وتعتذر عن هذا إذا كان فيه شيء من المضايقة، وتقدم لك الصورة». قال العلّامة: فقلت له: «أتريد مكافأة؟» قال: «لا، كلمة “ميرسي” تكفيها».
وختم العلّامة القصة الواردة في كتابه (إطلالة على العالم الفسيح بين الشرق والغرب) قائلًا: «لقد سُررت - رغم بشاعة هذه الخرابيش - بأن في وجهي من الملامح والقسمات ما يجد فيه الفضوليون من الرسامين ما يستهويهم، ولو كان ذلك على حد قول الشاعر: “وأرحم القبح فأهواه”».
لو أنك تتبعت حيوات أصحاب (الوعي)، لوجدت أنهم يسلكون طريقين للحياة: إما أن يؤثروا الصمت المدقع على ما حولهم من فوضى بشتى أنواعها، وإما أن يتلظوا ويُلِظّوا من حولهم بثورانهم وسعيهم في الإصلاح.
طريق الأوائل الواعين طريقٌ سوداوي؛ هم يرون أن لا فائدة من إصلاح أي شيء، وغالبًا لن يستوي لهم ولا لأستاذهم الذي سبقهم ووصل إلى نهاية طريقهم، «أفلاطون» بمدينته الفاضلة، شيءٌ إطلاقًا، حتى وإن كانوا نشطين فكريًا.
أما طريق الثّواني من الوعاة، فطريقٌ واقعي، يتأملون منه ضوءًا في آخره؛ إذ إن الطريق مظلمٌ دامس. يسعون في إشعاله، ومساعدة البشر، وإصلاحهم بالثورة أو النقد أو بإضافة مناهج جديدة.
إنني أزعم - وليعذرني أصحاب العلم ومن غاصوا فيه - أن (الخوف) طبعٌ في الإنسان، و(الشجاعة) دخيلةٌ عليه؛ أي إن الإنسان خُلق خائفًا بالفطرة، مفطورًا على الخوف، والشجاعة مكتسبة، تعلو وتدنو بما يتناسب مع سياق الإنسان وظروفه القدرية.
إنني أضيق وأتبرم حين تغرب الشمس، وكنت أضيق وأخاف في صغري حين يحين موعد النوم، وما زلت كذلك، إلا أنني لا أخاف. وأضجر حين تنتهي (الإجازات)، حتى ولو لم تخدمني ولا لي مصلحة فيها، وأيضًا عند انتهاء محادثةٍ ما، شفهيةً كانت أو كتابية، مع شخصٍ استمتعت معه، أو حين تنتهي أغنيتي المفضلة، أو حتى عند انتهاء الأسودين اللذين أشرب: الشاي والقهوة، وغيرها من الأمور الكثيرة.
فاكتشفت أنني لا أحب النهايات، إنني أريد الخلود بكل ما أفعل وأستمتع. ولي من اسمي نصيب.


