وبهذه الكثرة الكثيرة من كتب الترحال العربية الإسلامية، لم أجد من المؤلفين من انتفع بما شاهده من علوم وعمران وثقافة قابلة للنقل، فنقلها وشحذ الهمم في بلاده العربية أو الإسلامية، حين وصلهم، إلى أن يفعلوا ويقلّدوا ما شاهده واطّلع عليه. بل إنني وجدت ازدراءً، أو أفضليةً تنبع غالبًا من ينبوع الدين، أو تدوينًا يفتقد البصيرة.
فعلى سبيل المثال، لاقى الرحّالة ابن بطوطة في الصين أن الصينيين، بطبعهم، يرسمون كل غريب يتوسطهم بين ليلة وضحاها، ويذيعون صوره على جدران الشوارع والأسواق؛ خشيةً من أن يفعل شيئًا فريًّا، وبهذا تسهل الإطاحة به. عاش ابن بطوطة ما بين 700 و780 هجرية. ولو نُقلت هذه الطريقة - التي ليست بالعبقرية وقتذاك - إلى المغرب العربي، بلد إقامته، لاستفاد العرب والمسلمون من إحدى الطرق الاستخباراتية.
وإني لا ألقي اللوم كله على ابن بطوطة؛ لأنه محدود العلم، إذ إنه ليس عالمًا ولا مفكرًا نهضويًّا، بل هو على قدر جيد من العقل. وحتى كتابه الذي وصل إلينا، والذي استجلبنا منه القصة، ليس من تدوينه، بل دوّنه عنه كاتب يجيد الكتابة اسمه ابن جزي. وتجده يقول في نهاية الكتاب: «انتهى ما لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بطوطة».
وأنا لا أجحد علم الرجل؛ فهو يقيّد رحلاته، وقد ذكر أنه كان يقيّدها، ثم سرعان ما يقول إنه أضاعها. وفي ظني، لا يستشكل ضياعها أو بقاءها محفوظة عنده شيئًا؛ لأنه رجل شفوي، يعلّم ولا يدوّن. فتلقاه، حين يعود إلى دياره، ينقل ما سمع ورأى شفويًّا. وأتى إهماله للكتابة من منهجه الشفوي، ولا ندري: أهو إهمال اعتقادٍ بالمنهج الشفوي في نقل القصص، أم إهمال يشوبه عجز عن الكتابة ومآلاتها؟ والثانية أرجح عندي.
فقد يطرق طارق نقدي ويقول: يا صاح، إن المسلمين والعرب وقتذاك هم أسياد العالم كله، ثقافةً وعمرانًا، ولهم الكعب الأعلى على العالمين جميعًا. وأجيبه قائلًا: وهذا صحيح جزئيًا؛ فأنا لا أنكر تقدمهم، ولكن لا تنكر أنت أيضًا النواقص، فلا بد من نواقص، وإن ظننت أنك كامل!
ثم إنني لم أرمِ بما قلت إلى فترة واحدة من التاريخ، بل وسّعت النظر في التاريخ كله؛ فالشدياق، ورفاعة الطهطاوي، ومحمد الصفّار، وغيرهم ممن يبعدون عنا بضع مئتي سنة، شملهم حكمي أيضًا مع ابن بطوطة.
ولك في الصفّار، على ذكره، خير مثال في ما سأقوله من حدّة، إن لم أخرجها من بلعومي لقتلتني، ففي رحلته، التي أرى أنها غير نافعة وساذجة، ظلّ طيلة الرحلة يناقش الفرنسيين عن الإسلام ودينهم الذي يدينون به، وعن صلب المسيح من عدمه، وعن تعصبه أو تطرفه - لا فرق - عليهم. وهذا التعصب ساذج طفولي.
ولك، يا قارئي، هذه الحادثة البسيطة: حين كان يتمشى بدار الكتب بفرنسا، شاهد قرآنًا ضخمًا عجيبًا مرصّعًا بالحلي، فقال: «يستحسن أن يكون في خزانة ملوك الإسلام، أظفرهم الله به وأنقذه من أيدي المشركين الكفرة». وحديثه ما بين 1810 و1880 ميلاديًّا. إذ لو دحر هذا التعصب جانبًا، واستفاد من تنظيم الدار وفهرستها ومخطوطاتها، وحتى تنسيقها ورونقها وتأثيثها وطرق الدخول إليها والخروج منها، لأفاد بلاده أجود الإفادة.
وأخفّهم عندي بهذا الحكم هو رفاعة.
أرسل رجل ظالم تولّى زمام المسلمين إلى امرأة كهلة لا حيلة لها ولا قوة، حين قتل ابنها ونكّل به، أن تأتيه. فرفضت، ثم أرسل إليها رسولًا يتكلم عنه، فرفضت. ثم هدّدها، ملقنًا رسوله أنها إن لم تأتِ سيسحبها من قرونها - أي ظفائر شعرها -، فرفضت رغم التهديد.
فقام وتيمّم نحوها بنفسه، وقابلها في منزلها، وقال لها: «كيف رأيتِني صنعتُ بعدوّ الله؟»-يعني ابنها- قالت: «رأيتُك أفسدتَ عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك». ثم زادت قائلة: «أما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدّثنا أن في ثقيف كذّابًا ومبيرًا؛ فأما الكذّاب فرأيناه» - تعني المختار الثقفي، فإنه تنبّأ وتبعه الناس، حتى أهلكه الله تعالى - «وأما المبير فلا إخالُكَ إلا إياه».
وكان هذا الحديث بعدما صُلِب ابنها ثلاثة أيام للمارة، وكانت أمه تأتيه في كل يوم، تذرف الدموع ذرفًا، وتميل إلى عرش الظالم، وتقول له: «أما آن للراكب أن ينزل؟» ثم آن للراكب أن ينزل في مقبرة اليهود، وهو مسلم، تنكيلًا من الظالم.
الأم: أسماء بنت أبي بكر، ذات النطاقين.
والابن: عبد الله بن الزبير.
والظالم: الحجاج بن يوسف الثقفي.
يا ليتكِ، يا بنت الصديق، ترين ما نرى من تمجيد الظالم الجائر الآن، ومدى شيوعه وسعة مريديه، وتفاخر الأنام بظلمه وبطشه.
ذكر وديع فلسطين موقفًا طريفًا جمع الست أم كلثوم بالأديب أحمد باكثير، الذي كان - كما يُذكر عنه - قصير القامة غليظ العوينات. فقد طلبت أن تدعوه إلى مقابلتها، فلما رأته بقامته القصيرة قالت، مداعبةً: «أنت باقليل، لا باكثير».
لم أطرب منذ زمن كما طربت لبيتٍ نبطيٍ سمعته قبل أيام، والحقيقة أنني جننتُ به، لا طربتُ فحسب. يقول الشاعر المختلف عليه:
«الهوى من على عصر أبو زيد الهلالي
فيه للبيض عزّ .. وفيه للرجل ذلّة»
هذان الاثنان، على كثرة ما استمعتُ إليهما واستمتعت وطربت وجننت بهما، إلا أن أذنيَّ حين تعاود سماعهما، كأنها تسمعهما لأول مرة، فيتجدّد الطرب والمتعة والجنون، وكل شعورٍ صدمني بهما. وهما: أم كلثوم وأبو نورة.


