أدركتُ مجلسًا قد اندكَّت ذروة حديثه، وبقيت البقية الباقية من جلاسه، وزال ستار الحِشمة والوقار، وانبسط الحديث واسترسل المحدِّث، فروى قصةً له مع مالك «إبلٍ» شهير السمعة، والأشهر منه سمعةً وإرادةً وتشيعًا (بعيره) الجميل في مقاييس الجمال الحيواني. وساق الحديث صاحبُنا أنه طلب من مالك الإبل أن يلقح بعيره الجميل أينقه، ليحول الحول، وتصير عُوذًا مطافيلَ، وتطرح هذه النوق طرحًا جميلًا كمقاييس جمال أبيها، فبادر إلى الموافقة، وأخذ يمدحه ويثني عليه بحدود ربع ساعة. ثم ذكر رحلةَ حمل نوقه من مقطانه إلى مقطان (البعير) المرفَّه، على حد ما وصف من رفاهية وحياة رغيدة. ومما ذكر من رغادة، أن أجود أنواع العلف أمامه، يأكل متى شاء، ومن حيث شاء، فلا يزاحمه أحد على مرعاه وهُيامه، وجوار العلف ماءٌ منهمر لا ينقطع، ومن فوقه ظلالٌ من حديد فُصِّلَت له توقيًا من الشمس وسمومها، والإينقُ الرسمُ صفًّا صفًّا، متناضداتٍ راغباتٍ مقبلاتٍ غير مدبراتٍ لبعلهن جميعًا. فأخذ يلقح الناقة تلو الناقة، ومما يرويه لنا صاحبنا أن العدد ليس بالهيِّن، فالنوق كُثر، إلى أن ينتهي البعير من هذه الممارسة المكروهة، على أن هذه الكراهية لم يُحِسَّ بها إلا أنا والبعير من مجلسنا.
لماذا مكروهة؟ لأن هذا الفعل غير إنساني إطلاقًا، ولا أعني التزواج البهيمي، بل أعني الفرط والتفريط في هذا التزواج، وأعني غايته أيضًا؛ وهذا لأن غايته غير حميدة وطبيعية. كيف؟ لأن كل من أقبلوا من فجاج الأرض راغبين (الجمال) المزعوم، لا يرغبونها من أجل الطبيعة، وأعني بأكل لحمها، والشرب من لبنها، والاستفادة من جرمها في الترحال والتنقل. واستثني الترحال والتنقل؛ لأننا في بيئةٍ معاصرةٍ متطورةٍ أصبحنا بها نجاور السحاب، فلا يبقى لنا إلا (الأكل والشرب)، وهذا الأمر غير عسير علينا، وهذا من نعم الله الكثيرة، فلا يتبقى لنا في ميزان (الاستفادة) شيءٌ يُذكر! فنعود إلى دائرة غير الإنسانية التي ذكرتها آنفًا، وهذه الدائرة عنوانها (الثانوية)، فلا للإبل عازةٌ في وقتنا الحالي إلا للطرب والأناسة، وهذا الطرب وهذه الأناسة نابعان من ترفٍ ونعيم -ونحمد الله عليها-، وبالضرورة يُردف هذا الترف، وهذا النعيم، تفاصيلُ (غير إنسانية)، كمثل القصة المذكورة آنفًا، بأغصاب البعير طوعًا إلى التلقيح والخ.. من قصص اصحابها والتي ستجد في طياتها الانسلاخ الانساني من انسانيته.
ثم إن الإنسان لم يتوقف على (الحيوان)، بل زاد واستفاض وتفنن أكثر التفنن في (الإنسان) من بني جنسه؛ إذ إن الممارسات غير الإنسانية يستعملها الإنسان نفسه الذي فعل (الغير) فيه. ولك في (الرياضة) خير مثال، فمفهوم الرياضة في وقتنا الحالي مفهومٌ ترفيٌّ، نعمويٌّ، دلاليٌّ جلي! ومن سياق المصطلحات نرى الحقيقة؛ فهم ينعتون الرياضة، وأعني بها (كرة القدم، كرة السلة، والمصارعة، وإلخ من الرياضات الجماهيرية)، بـ(الرفاهية)، ومعناها سعة العيش والرغد. وإليك مثالًا في تعامل الإنسان وانسلاخه من إنسانيته، في موقفٍ ذكره الأستاذ [عبد الوهاب المسيري] مع لاعب رياضي شهير اجتمع فيه المسيري في رحلةٍ كان يجاوره فيها، وكان في نعيم؛ يُقدَّم له الطعام، ويستقبله المضيفون والضيوف. فالتفت الرياضي الشهير يعاتب المسيري قائلًا: كيف لا تعرفني؟ فقال له المسيري: وكيف أنت لا تعرفني؟ فإني كاتبٌ شهير أكتب في مجلة الأهرام. فاستوت عند الرياضي الشهير منطقية الرد، وصاحب المسيري وأخذ يخبره بما يعاني من اللاإنسانية التي يعانيها قائلًا: إنه لا يأكل إلا بأمر من مدربه، ولا يمارس الجنس إلا بأمره، ولا يشرب إلا بأمره، فلا لحياته تصرفٌ إلا بأمره، وهذا ظاهرٌ على جسده الضخم الذي ربّاه المدرب وجعله كالثور الضخم. هذا ما ذكره المسيري (بتصرّف). قد يرى من قرأ أن هذا بدهيٌّ لديه، ولا داعي لاستحضار روح المسيري لنا ليحكي كواليس (الرياضي) في أي مجالٍ كان. ولكني أرد على من قرأ بأنني أحفظ حق المسيري، بأنه هو المرغِّب فيَّ هذا المنهج.
وللإنسان تصريفٌ عبيط، وعبيط أقل ما يقال عنه، في دحر الغير إنسانية هذه، قائلين: «إن الالتزام والاحترافية جعلهم ينجحون كرياضيين، ويجنون ما جنوه من مالٍ وإرادة». وهذا الحديث لا يراد منه دحرٌ متعمد، بل مؤتيه انصهارٌ، أو قل تطبُّعٌ (إنساني) لا إرادي، التقمته الأجيال بعد الأجيال، إلى أن صار مبعثه وإنتاجه طبيعيًّا عندهم. وهو في الأصل لا يمت بطبيعة البشر بصلة؛ لأن التحكم بحياة إنسانٍ ما ليس بالطبيعي، فما حيلة الإنسان إن لم يكن حرًّا؟ فالحرية عنوان البشرية العريض، وعلى منوالها يعيشون ويستمدون ما تبقى من أعمارهم بها، فإن تزلزلت أو انتكست أو قُيِّدت حريته، يبيت الإنسان جمادًا لا حياة فيه، وهذا لأن أساس الحياة هي (الحرية). ولك في أبينا آدم خير مثال، إذ إن الله -عز وجل- دفعه إلى جنانه يسرح ويمرح، إلى أن عصى ربه، بانصياعه لإبليس؛ إذ إن انصياعه لإبليس جاء من مدخلٍ دخله إبليس، وما هذا المدخل إلا مدخل (الحرية)، إذ إن آدم -عليه السلام- اشتهى شهوةً، والشهوة من أهم أدوات (الحرية)، إذ إن الإنسان الحر إذا اشتهى وصل، والإنسان المسلوب الحرية عما يشتهيه يُمنع، ونحن نسير على خطى أبينا بحريته لا بعصيانه.
ثم إنك حين تفتش الجرائد أو الميديا، ستجد حتمًا ما وصفته من انسلاخ البشرية من حريتهم. والغريب، بل العجيب، أن ما من إنسان أحدثه بحديث الانسلاخ هذا إلا وقد انتفخت عيناه جحوظًا، ثم يشرد هُنَيَّةً كأنه يتذكر شيئًا، ويقول: إيييه! صح! ثم يسوق لك قصصًا من محفوظات ذاكرته عن لاعبي كرة قدم أو عارضات الأزياء، وكيف تقيدت حياتهم وتعطلت، وانسلبت حريتهم. ثم يختتم حديثه بقوله: ولكن قف! إنهم يجنون أموالًا لا نهاية لها. هذه الفطنة بعد إثارتي الموضوع ما هي إلا ما قلت آنفًا: (الانصهار أو التطبّع)، وهو يحتاج، في الحقيقة، مقالةً منفردة نغوص فيها بعلم الاجتماع ومآلاته. وما عليَّ قوله إننا للأسف، وإن كانت الشواهد محصورة على مجالاتٍ قليلة (كالرياضة وعرض الأزياء)، إلا أننا نسير رويدًا رويدًا إلى (الحيونة)، أو مشاكلة الحيوان، وانسلاخنا من الإنسان.


