الرحابنة .. عاطفةُ لبنان 🇱🇧
هي فتاةٌ جميلةٌ ممشوقةٌ غيداء! ناهدةٌ في مطلع العمر، ولكن! توفاها الله بعدما جَمُلَت ورَشُقَت وغَيُدَت، وأصبحنا نتكئ على ذكرياتها، ونأمل من الله أن يحييها ونستند إلى حاضرها ومستقبلها.
أنا لا أعني فتاةً بعينها، بل أعني لبنان العظيمة!
والحديث عن هذه البلدة ومشاعرها حديثٌ يطول ويرهق الكاتب والقارئ؛ لأنها تستحق أن يُكتب عنها كتابٌ كامل. ولكني سأكتفي بأن أشرّح هذه الفتاة المتوفية، وأنزع منها (عاطفتها) وأتحدث لكم عنها. وما هذه العاطفة إلا [الأخوان رحباني]. إنني أعلم أن هنالك أحدًا همس لك في عقلك بخجلٍ يسألك: (من هم هؤلاء؟) وسأجيبه. هما فنانان، وأعني الكلمة بمعناها الصحيح، لا أنني أداهن وأجامل أو أزين الكلم؛ لأنهما شاعران وكاتبان وملحنان. فخرج من جيب الشعر والكتابة تأليفُهما مسرحياتٍ عدة، وتأسيسُهما لمجلةٍ أدبية، وشعورُهما المنهمر في أغانٍ عديدة. وخرج من جيب التلحين مجدٌ تليدٌ تسلسل منهما إلى أحفادهما.
عاصي ومنصور الرحباني، ذكرت المصادر أنهما وُلدا في بيئةٍ متواضعة تتأرجح نحو الفقر. وبدت مسيرتهما الحقيقية، في ظني، من ذاك الذي كان يعزف على البزق إيمانًا منه بروحه الفنانة، برغم تواضع عزفه، وهو أبوهما [الأب حنّا رحباني]. كان هو الملهم في ظني، ولو خاب الظن، فلن تخيب الطبائع الوراثية التي استقياها منه. وكانت بدايتهما بترانيم دينية مسيحية بسيطة، ثم انتقلا عبر بوابة الترانيم إلى جنتهما المنشودة. التقى عاصي بالأيقونة ومشاطرتهما نجاحهما [نهاد حداد] الملقبة بـ[فيروز]، بعدما ذُكر لهما أن هنالك فتاةً صوتها شجيٌّ طربٌ، يجب عليكما أن تسمعاها، ومن يدري لو أنكما عملتما معها؟ فقابلاها وأحسنا استقبالها، وسمعا لها ومنها. فسمّاها عاصي [الملكة] على غرار مُلقِّبها ومكتشفها [حليم الرومي]، وهو الآخر فنانًا وموسيقيًّا. ولا شك في أن نعت عاصي فيروز بالملكة جاء من إعجابٍ شديدٍ وانذهال، ولا شك أيضًا أن حليم الرومي قدّم للأخوين حجرًا كريمًا يكرّرانه، وكلما كرّراه ازدادت تهاويلُه وألوانُه بهيّة! وأكبر الظن أن حليم الرومي ندم ندمًا شديدًا على التفريط بهذه الألماسة. ولم تطل العلاقة بين عاصي وفيروز كثيرًا إلا وقد تزوجا وأنجبا ابنهما البكر مبكرًا، والذي أكمل سيرهما فيما بعد، وهو [زياد الرحباني]. كان أول عمل بينهما وبين جوهرتهما فيروز هو [حبّذا يا غروب] كتابةً وتلحينًا. ودعني أتحدث عن نصوصهما الغنائية، فإنني متحزّبٌ لها كل التحزّب، لفرط ذكائهما فيها ومراعاتهما لجوهرتهما [فيروز]. وأعني بالمراعاة، والتي لا أعلم أهي مقصودة أم متعمدة، وأظنها متعمدة، أن نصوصهما ليست في نسقها فحولة أو ذكورية، بل كأنهما فصّلا أشعارهما لفيروز، فستجدها عاطفية شاعرية تترنم بالنعومة والرقة، وستجد أيضًا أن أشعارهما قصصية عميقة، تتكئ على الرمزية الهادفة، يحتاج من تطرق أذنه كلماتُهما أن تطرق ذهنه أولًا، ثم أذنه لكي يهضمها ويفهم ما ترمي إليه، رغم بساطة الكلم والتعابير! وهذا خليطٌ لا يتقنه إلا [فنان]. وللبيئة تأثيرٌ عظيمٌ في نصوصهما، فهما يحاكيانها في غالبية نصوصهما. ثم لا يتسنى لنا أن نتحدث عن النصوص، ونترك الموسيقى، وهي لباس النصوص وموصلُه إلى حنايا القلب. فموسيقاهما عجيبة! لا هي بالغربية ولا هي بالشرقية؛ تأخذ من الغرب شيئًا يسيرًا، وتأخذ من الشرق شيئًا أيسر، ثم يظهر لنا، في زعمي، من خلال هذه التوليفة [لبنان]. أخذُهما من الغرب والشرق طبيعيٌّ جدًا؛ فالغرب، هم مسيحيون، ومرجعهم وثقافتهم الدينية يحتمان عليهم التأثر الثقافي الغربي، أما الشرق فهم عرب، وفي جغرافيا العرب لا بد من التأثر أيضًا بالشرق. وأظن، وأكبر الظن، أن الأخوين متأثران أشد التأثير بأيقونة الموسيقى المصرية [سيد درويش].
وخير ما نبدأ به أغنية [حبيبي بدّو القمر]. نصُّها، كما قلت لك، عميق وذكي، ولحنها شرقي بحت لا يشوبه غربية.
«حبيبي بدُّو القمر والقمر بعيد
والسماء عاليِة ما بتطالا الإيد»
هنا الحبيب يطلب طلبًا عسيرًا بعيد المنال؛ فهو لا يطلب القمر حقيقةً، القمر هنا رمزيٌّ لا مادي. وهي تحاول ولم تتهاون في طلبه في مطلع المقطع القادم حين تقول:
«طلعتْ على السطح دَلّوا عليِّي الناسْ
قالوا مدري شو بِها، وخَبَّروا الحرّاسْ
قلتلُّن بدِّي القمرْ.. قالوا القمر غالي
حقُّو عشر لْيَالي.. عشر ليالي سَهَرْ»
الطلوع إلى السطح ما هو إلا سذاجةً وحمقًا وبيانًا لإرضاء حبيبها وتحقيق مراده بإتيانها القمر له من السطح. ومقابلتها [الناس] تعني المجتمع، ونصحهم لها ما هو إلا توضيحٌ منهم لها مشقة الحب ومشاكله، وهذا ظاهرٌ جليٌّ في قولهم [قالوا القمر غالي]، أي إن مشاكل الحب ليست بالهينة اليسيرة، بل السهد والسهر يرافقانها. ثم إن كلام المجتمع لم يكسرها أو يجعلها تتهاون أو تتصاعب الأمر، بل تحملت حين تقول:
«وإلي عشر ليالي.. عالسطح سهرانِة
وحاسِّة بِحالي.. تعبانِة ونعسانِة
خايفِة لَنام وينزَل القمرْ.. ويلاقِيني غافيِة.
. وتسرقو جارتنا.. يللي مزاعلتنا
.. وتعطيه لحبيبي.. ويحبَّا حبيبي..
وأنا صير غريبِة»
فهي تحملت وسعت في أول النص لإرضائه، وخافت ألا تتهاون أو تكسل في إرضائه بقولها:
«خايفِة لَنام وينزَل القمرْ.. ويلاقِيني غافيِة»
لأنه لو وجدها لا تلبي ما يطلب ويرغب، سينظر إلى غيرها حتمًا، ويتركها وحيدةً غريبة.
فهذه أحد نصوصهما الذكية الرمزية، وعلى منوالها باقي النصوص. بعضها تسمق في الرمزية وتعلو، و البعض الآخر لطيفٌ ويسيرٌ على الذهن في تفكيكه وتشريحه. ثم إن لنا مثلًا آخر، وهو الأقرب لقلبي من النصوص.
«وهديتني وردة.. فرجيتها لصحابي
خبيتا بكتابي.. زرعتا ع المخدة
هديتك مزهرية.. لا كنت تداريها
ولا تعتني فيها.. تضاعت الهدية»
كما ترى، عزيزي القارئ، فالمقصود ليس الوردة، إنما ما يختبئ خلف الورد هو: (العطاء، أو قل التضحيات، أو قل الاهتمام)، فكلها صالحةً للمعنى المستهدف.
[فرجيتها لصحابي] إعلانٌ للفرح والسرور بهذه الوردة الوحيدة فقط.
[خبيتا بكتابي] تدوينُ الحدث في مذكراتها الشخصية، أو أنها بالفعل أخبأتها بشكلٍ ماديٍّ محسوس، وهي تحمل التفسيرين.
[زرعتا ع المخدة] وهذه أعظم فكرة في النص! ولا أحكي لك، يا قارئي، مدى طربي وتعجبي كلما سمعت هذه الأغنية، وبالأخص هذا الجزء من النص. المخدة هي أقرب ما في الحياة إلى جماجمنا التي فيها عقولنا، وعقولنا التي فيها ذكرياتنا، فالزرع هنا يعني زرع الذكرى المفرحة لا الوردة بعينها.
ثم إن آخر بيت واضحٌ جليٌّ؛ فالمحبوب أهدى وردةً وحيدةً فقط، وهي أهدت باقةً كاملة! وهذا يعود بالنص إلى دائرة (الاهتمام والعطاء والتضحيات وإلخ..) من المشاعر المبذولة من الحبيبين. فهي تغدق بالمشاعر، وهو يقتر بها.
ولنرَ أنموذجًا مما قلت آنفًا في أن نصوصهما الشعرية قصصية، في أغنية [في قهوة عالمفرق].
في قهوة ع المفرق.. في موقدة وفي نار
نبقى أنا وحبيبي.. نفرشها بالأسرار
جيت لقيت فيها.. عشاق اثنين صغار
قعدوا على مقاعدنا.. سرقوا منا المشوار
يا ورق الأصفر.. عم نكبر.. عم نكبر!
الطرقات البيوت.. عم تكبر.. عم تكبر!
فإتك ترى التسلسل القصصي فيها واضحٌ جلي .. وأريدك بعدما رايت أن تسمع وتعي الانتقالة الموسيقية حين بدأ كوبليه [يا ورق الأصفر عم نكبر.. عم نكبر]، وأريدك أيضًا أن تسمع وتعي بداية النص موسيقيًّا، كيف أُلِّف وغُنِّي بطابعٍ حكواتيٍّ يقارب ترانيم الأمهات لأطفالهن عندما يقصصن القصص مغنّاة! .. هذه تفاصيل موسيقية عظيمة؛ فإذا كان النص حكواتيًّا، يكون له تفعيلةٌ ونغمٌ خاصٌّ، وإذا كان النص نهضويًّا استغرابيًّا، ينزو نزوًا عجيبًا إلى التلاحمية، كما صار في كوبليه [يا ورق الأصفر].
وننتقل إلى آخر أنموذج، وهذا الأنموذج اجتمعت فيه القصصية والرمزية واللحن الرائع. ثم إنك ستجد فيه العظمة الرحبانية بأكملها، فلن تنفك من هذا الجمال الصارخ!
«كنّا نتلاقى من عشيّة
ونقعد على الجسر العَتيقْ
وتنزَل على السّهلة الضبابة
تمحي المدى وتمحي الطريقْ
وما حدا يعرف بِمَطرحنا
غير السّما وورق تشرينْ
ويقلّي بحبّك أنا بحبّك
ويهرب فينا الغيم الحزينْ
يا سنين اللي رِحْتِ ارْجَعيلي
ارْجَعيلي شي مرّة ارْجَعيلي
وانْسِيني عَ باب الطفولِة
تَ أركُض بشمس الطّرقاتْ»
أعدْ قراءة النص مرارًا وتكرارًا، واستمتع واطرب بـ[وانسيني ع باب الطفولة]. تخاطب السنين بأن تأخذها وتنساها على باب الطفولة! ما رأيت أعذب من هذا الشطر في النصوص الغنائية! ولن ألقى. ويرادفُه [ويهرب فينا الغيم الحزين]، وهذه صورةٌ بلاغيةٌ انتقاليةٌ من استحضار الذكريات عند مجالستها لمحبوبها، وهروب الغيم بهما من الواقع المرير إلى الذكريات الجميلة. واستعمال (يهرب) استعمالٌ ذكيٌّ جدًا؛ لأن الذكريات تتسرب وتهرب وتروغ، وسرعان ما نستحضرها وسرعان ما ننساها.
اعلم، أيها القارئ المحب لفيروز، ما الذي يدور في عقلك. أنت الآن تشتمني وتستعجب مني لأني لم أذكر أغنية [فايق يا هوى]، وأجيبك بأن هذه الأيقونة الغنائية ليست هامشيةً نذكرها مع أغانٍ مثلها، بل حقها أقدر وأجل من أن نجعلها من ضمن مجموعة غنائية ، فالحق أن نفرد لها مقالًا خاصًّا بها ، وهي أعظم ما سمعت للآخوين وفيروز.
وإليك، عزيزي القارئ، هذه الخاتمة.
إنني لم أكتب هذه المقالة لكي أبين للناس عظمة الأخوين وجوهرتهما فيروز، بل إنني أكتب لأحييهم وأكرّس فنهم.



الرحابنة وتتوسطهما جوهرتهما [ فيروز ]
الرحابنة أثناء تأديتهم البروڤات
جمهورهم في إحدى حفلاتهم المسرحية
وصور أخرى …
فعلا عاطفة وفن لبنان 🫶🏻كبرنا على صوتها